حين حوَّلت السياسات الأحادية أمريكا
من قائدٍ إلى مُتسوِّل في النظام العالمي
تخيَّلوا معي: نحن في مارس 2026، حيث تتصدَّر عناوين الأخبار الرئيسية مشاهدٌ كان يُستحيل تخيُّلها قبل عامٍ واحد فقط: "الدولار يهوي إلى أدنى مستوى في التاريخ: 40 سنتًا أمام اليوان الصيني"، "واشنطن تطلب قرضًا طارئًا من صندوق النقد الدولي"، "بكين تُعلن أن احتياطيها من الذهب فاق الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي". المشهد أشبه بلحظة سقوط جدار برلين الاقتصادي، لكن هذه المرة، السقوط لم يكن لاشتراكيةٍ فاشلة، بل لرأسماليةٍ حوَّلها الغرور إلى مقامرةٍ مالية.
اللافت أن الانهيار — رغم ضخامته — لم يستغرق سوى 12 شهرًا، بدأت شرارته في يناير 2025، مع عودة ترامب للبيت الأبيض وإطلاقه حزمةً من القرارات التي وصفها بأنها "ثورة اقتصادية"، لكن التاريخ سجَّلها كـ"انتحار نقدي". فبينما كان العالم يتخبط في تداعيات جائحة جديدة وتصاعد التوترات في تايوان، اختارت الإدارة الأمريكية تصعيدًا غير مسبوق: 60% رسومًا جمركية على أوروبا، تجميد أصول 20 دولة، ورفع سقف الديون إلى 40 تريليون دولار. لكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت رفض العالم الانصياع.
هذه ليست قصة خيالٍ علمي، بل سرديةٌ تحذيريةٌ عن كيف تُحوِّل السياسات قصيرة النظر عملةً مهيمنةً إلى "ورقة خاسرة"، وكيف يتحالف الضعفاء لإنهاء عصرِ القوة الوحيدة.
أولا: 2025.. قرارات ترامب التي حوَّلت الاقتصاد إلى سلاحٍ ذي حدين
1. الحرب التجارية الثانية: رسوم 60% التي أشعلت التمرد العالمي
في فبراير 2025، وباسم "حماية العمالة الأمريكية"، فرض ترامب رسومًا بنسبة 60% على السيارات الأوروبية والسلع الصينية، مُتجاهلًا تحذيرات خبراء الاقتصاد بأن هذه الخطوة سترفع تكلفة المعيشة في أمريكا بنسبة 15%. بحسب تقرير معهد بروكنجز، تكبَّدت الشركات الأمريكية خسائرَ فوريةً بلغت 200 مليار دولار، بينما لجأ المستهلكون إلى سوق السيارات المستعملة — التي ارتفعت أسعارها بنسبة 40% — كمؤشرٍ أول على اشتعال الأزمة.
2. العقوبات: حين حوَّل ترامب الدولار إلى "سلاحٍ مسموم".
بالاستناد إلى "قانون مكافحة الأعداء الاقتصاديين" (2024)، جمَّدت الإدارة الأمريكية أصول دولٍ مثل الهند وتركيا والمكسيك في نظام "سويفت"، متهمة إياها بـ"دعم الإرهاب التجاري". لكن النتيجة كانت عكسية: بحلول يوليو 2025، أطلقت 45 دولة — بقيادة الصين — نظامًا موازيًا للمدفوعات الدولية (NGPS) يعتمد على الذهب والعملات الرقمية السيادية، مع إعلان السعودية — صدمةً — تسعير 30% من صادراتها النفطية باليوان.
3. الدين العام: فقاعة 40 تريليون دولار التي لم يعد أحدٌ يرغب في تمويلها.
مع وصول الدين الأمريكي إلى 40 تريليون دولار — أي 150% من الناتج المحلي — حاولت الخزانة الأمريكية إصدار سنداتٍ طويلة الأجل بعوائدَ مُغرية. لكن المفاجأة كانت في رفض الصين واليابان — اللتين تمتلكان 25% من الديون الأمريكية — تجديد الاستثمار، وبدء بيعهما بسعرٍ مخفَّض. وفقًا لـمعهد التمويل الدولي (IIF)، أدى ذلك إلى ارتفاع عوائد السندات من 2.5% إلى 9% في 6 أشهر، مما رفع فاتورة خدمة الدين إلى 1.5 تريليون دولار سنويًا — أكثر من ميزانية الدفاع والصحة مجتمعتين.
ثانيا: تحالف التحرر النقدي.. كيف حوَّل العالم هزيمة أمريكا إلى انتصار؟
ردًا على صدمة ترامب، تشكَّلَ أكبر تحالفٍ اقتصاديٍ في القرن الحادي والعشرين — ضم 90 دولةً بقيادة الصين والاتحاد الأوروبي — لتنفيذ خطةٍ من أربعة محاور:
1. التخلي التدريجي عن الدولار:
- تحويل 60% من الاحتياطيات العالمية إلى الذهب والعملات البديلة بحلول 2026.
- بحسب صندوق النقد الدولي، انخفضت حصة الدولار في الاحتياطيات من 59% إلى 45% في 2025، بينما قفز الذهب إلى 20% — أعلى مستوى منذ 1980.
2. أنظمة دفع بديلة: نهاية عصر "سويفت".
- النظام الصيني CIPS تجاوز حجم معاملاته 50 تريليون دولار، مدعومًا بـ 130 دولة.
- الاتحاد الأوروبي أطلق اليورو الرقمي، مُجبرًا شركات الطاقة على التسعير به.
3. المقايضة الإقليمية: اقتصاد ما بعد الدولار.
- تبنت دول البريكس+ (الصين، روسيا، الهند، السعودية، إندونيسيا) نظامًا للمقايضة باستخدام "وحدة موارد" (Resource Unit) مدعومةً بالطاقة والمعادن.
- نجحت روسيا والصين في تسوية 90% من تجارتهما الثنائية بعملتيهما، متجاوزتين الدولار للمرة الأولى منذ 1944.
4. البيع الجماعي لسندات الخزانة: الضربة القاضية
- في أكتوبر 2025، بدأت الصين واليابان والسعودية بيع 800 مليار دولار من السندات شهريًا.
- النتيجة: انهيار قيمة السندات بنسبة 50%، وارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي إلى مستوياتٍ أشعلت موجةَ إفلاساتٍ في وول ستريت.
ثالثا: 2026.. المشهد بعد العاصفة
1. أمريكا: من القيادة إلى طابور الإغاثة
- التضخم الجامح: وصل إلى 18% — الأسوأ منذ 1921 — مع نقصٍ حاد في الأدوية والإلكترونيات.
- الانهيار الاجتماعي: خرجت مظاهرات في 30 ولاية، مطالبةً باستقالة ترامب، تحت شعار "أعيدوا لنا دولارنا".
- الاعتراف بالهزيمة: في فبراير 2026، وافقت واشنطن على خطة إنقاذٍ من صندوق النقد الدولي، تشمل خصخصة أصولٍ حكومية وتجميد الإنفاق العسكري.
2. العالم الجديد: ولادة نظامٍ نقدي متعدد الأقطاب.
- اليوان الصيني: أصبح يحتل 30% من الاحتياطيات العالمية — بفضل دعم الذهب والنفط.
- اليورو الرقمي: تحوَّل إلى عملةِ التجارة الأوروبية-الأفريقية، مدعومًا بشراكةٍ في الطاقة النظيفة.
- عملات البريكس: وحدة "الموارد" أصبحت معيارًا لتجارة السلع الأساسية بين آسيا وأفريقيا.
- الخاتمة: دروس الانهيار.. لماذا لا تصلح الهيمنة بديلًا عن التعاون؟
سقوط الدولار في 2025-2026 لم يكن مجرد أزمة اقتصادية، بل إعلان وفاة لنموذج الهيمنة الأحادية في عالمٍ لم يعد يقبل بقطبٍ واحد. فالعبرة الأهم هي أن العملات — مثل الإمبراطوريات — لا تسقط بسبب قوة الأعداء، بل بسبب إدارةٍ داخليةٍ تُفضل الغرور على الحكمة، والصراع على الشراكة. كما كتب المؤرخ الاقتصادي آدم تووز: "لم تكن أمريكا تحتاج إلى جيشٍ لحماية دولارها، بل إلى سياسيين يفهمون أن الاقتصاد العالمي حديقةٌ مشتركة.. لا ساحة حرب".
الآن، وبينما يُعيد العالم تشكيل نظامه النقدي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ستتعلم الولايات المتحدة أن القوة الحقيقية ليست في الهيمنة.. بل في القدرة على قيادة العالم دون إذلاله؟
بقلم الكاتب والروائي خالد حسين