من النبل الوراثي إلى الكفاءة الاجتماعية: تحولات القيم في المجتمع الموريتاني

عاش الموريتانيون عبر التاريخ على رقعة جغرافية واسعة ومتنوعة، فرضت طبيعتها—الجبلية والساحلية والصحراوية—أنماط عيش مختلفة، وأسهمت في تشكيل العادات والتقاليد وتقسيم المجالات الاجتماعية وفق الجغرافيا. غير أن هذه المحددات الطبيعية لم تكن وحدها المؤثرة؛ إذ لعبت الأصول العرقية والانتماءات الأسرية دورًا حاسمًا في صياغة منظومة القيم، ولا سيما ما يتعلق بالزواج، واحترام الآخر، ومعايير المكانة الاجتماعية.
وقد تمسكت فئات واسعة من المجتمع بعادات راسخة، كان “النبل العائلي” فيها معيارًا للتفاضل، بغضّ النظر عن الوضع الاقتصادي. فلم تكن الثروة—المقاسة بالمواشي، ونقاط المياه، والأراضي—مؤشرًا حاسمًا للكفاءة الاجتماعية، بقدر ما كان الانتماء إلى أصل “نبيل” كافيًا لإقصاء غيره، حتى وإن كان أفقر حالًا أو أقل حظًا في الحياة.
غير أن نهاية ثمانينيات القرن الماضي شكّلت منعطفًا مهمًا؛ إذ برز مسار جديد قادته شرائح من الشباب العائدين من الخارج ومن المقيمين في الداخل، حملوا معهم وعيًا مختلفًا يربط الكرامة الاجتماعية بالعمل والكسب، لا بالانتماء الوراثي وحده. فقد بات واضحًا أن النبل الرمزي لا يصمد أمام قسوة المعيشة، وأن العمل والإنتاج يفتحان أبوابًا أغلقتها التراتبية التقليدية طويلًا.
ومع هذا التحول، استطاعت فئات لم يُنصفها التاريخ الاجتماعي أن تحقق مكانة معتبرة عبر العمل وتراكم المال، مستفيدة من منطق عالمي تحكمه الرأسمالية. ومع مرور الوقت، تراجعت معايير الكفاءة القديمة لصالح واقع جديد فرض التكامل: فالنبل بحاجة إلى المال، والمال يسعى إلى شرعية اجتماعية تربطه بأصول معتبرة. وفي خضم هذا التفاعل، نشأت أنماط تعاون اجتماعي، تجلّت أحيانًا في مصاهرات تُقايَض فيها المكانة بالثروة، كحلٍّ لظلم تاريخي أو اختلال اجتماعي.
ومع تعاقب السنين، تبلورت أفكار تدعو إلى المساواة بين الألوان والفئات، وتكرّس حضور “مزيج اجتماعي” صنعته الحاجة والواقع الاقتصادي. ثم توسعت هذه التحولات لتطال المجال السياسي، وتتجاوز الحدود نحو الفضاء الإقليمي، حيث بات رأس المال والرمزية الاجتماعية أدوات تأثير دبلوماسي وشخصي، قادرة على فرض واقع جديد يراه البعض أكثر نفوذًا وفاعلية من القيم التقليدية وحدها.