إيران مفاوض صعب المراس، وهو وصف لم يأتِ من فراغ، بل تشكّل عبر عقود من التفاعل مع القوى الدولية والإقليمية في ملفات معقدة، أبرزها الملف النووي والعلاقات الإقليمية.
تُظهر التجربة السياسية أن إيران تتبع أسلوبًا تفاوضيًا يتسم بالقوة والقدرة على المناورة، وهو ما جعلها لاعبًا مؤثرًا في العديد من الملفات الإقليمية والدولية. هذه القوة لا تعني بالضرورة التشدد المطلق، بل تعكس مزيجًا من الثقة بالنفس، والاعتماد على أوراق ضغط متعددة، وفهم عميق لطبيعة التوازنات الدولية.
أحد أبرز مظاهر هذه القوة هو اعتماد إيران على مبدأ التفاوض من موقع الندّية.
فطهران تتبنى نهجًا تفاوضيًا يجمع بين الصلابة الاستراتيجية والمرونة التكتيكية، ما يجعل التعامل معها تحديًا حقيقيًا لأي طرف مقابل. فالبلد يتعرض لضغوط قاسية وغير عادلة على الساحة الدولية, فأول ما يميز السلوك التفاوضي الإيراني هو الصبر الطويل. فإيران لا تتعامل مع المفاوضات باعتبارها سباقًا قصير الأمد، بل كعملية ممتدة يمكن من خلالها استنزاف الوقت لصالحها. وقد ظهر ذلك بوضوح في المفاوضات السابقة، حيث استمرت الجولات سنوات طويلة قبل الوصول إلى صيغة نهائية. هذا الصبر يمنحها قدرة على تعديل موازين القوى تدريجيًا، سواء عبر التطورات الميدانية أو التغيرات في مواقف الأطراف الأخرى.
تتمسك إيران بثوابت تعتبرها غير قابلة للتنازل، خاصة ما يتعلق بسيادتها وحقوقها الاستراتيجية. فهي قد تدخل في مساومات تفصيلية، لكنها نادرًا ما تقدم تنازلات جوهرية تمس هذه الخطوط الحمراء. وهذا ما يجعل التقدم في المفاوضات بطيئًا، إذ يتطلب من الطرف الآخر تقديم ضمانات كبيرة مقابل أي خطوة إيرانية.
فإيران تعتمد على تنويع أوراق الضغط. فهي لا تفاوض من موقع واحد، بل تستخدم شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية لتعزيز موقفها. كما تستفيد من التوازنات بين القوى الكبرى، لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب أو لتخفيف الضغوط.
ومع ذلك، لا يعني هذا الجمود الكامل. فإيران تُظهر مرونة تكتيكية حين تقتضي الحاجة، فتقدم تنازلات محسوبة أو تقبل بحلول مرحلية، لكنها غالبًا ما تربط ذلك بتحقيق مكاسب مقابلة. هذا التوازن بين الصلابة والمرونة هو ما يمنحها سمعة “المفاوض الصعب الميراس”.
تُظهر التجربة السياسية أن امتلاكها أدوات تأثير متنوعة. تجعلها لا تقتصر على الجانب الدبلوماسي فقط، بل توظف موقعها الجغرافي، ونفوذها الإقليمي، وعلاقاتها مع قوى كبرى لتعزيز موقفها التفاوضي. هذه الأدوات تمنحها قدرة على الصمود أمام الضغوط، و في الوقت نفسه تفتح أمامها خيارات متعددة للمناورة.
إضافة إلى ذلك، تتميز إيران بقدرتها على إدارة الزمن التفاوضي لصالحها. فهي لا تستعجل النتائج، بل تستخدم عامل الوقت كوسيلة لتحسين شروطها أو انتظار تغيرات في مواقف الأطراف الأخرى، سواء كانت سياسية أو اقتصادية.
في النهاية، يمكن القول إن قوة إيران في التفاوض تنبع من قدرتها على الجمع بين الصلابة والمرونة، واستخدام مختلف أدوات النفوذ بطريقة مدروسة. وهو نهج يمنحها حضورًا مؤثرًا على طاولة المفاوضات، لكنه يتطلب في الوقت ذاته إدارة دقيقة لتجنب التصعيد أو الجمود الطويل.
محمد الأمين امحمد
