لا يمكن لأمة أن تنهض نهضةً حقيقية إنْ هي افتقرت إلى حيوية ثقافية في الكتابة والفنون، وخلت ساحتها من منابر حوارية جادة في حقول الفكر والعلوم الإنسانية، كعلم النفس والاجتماع. فهذه الحقول هي التي تصوغ الوعي الجمعي، وتكسب المجتمع أدوات يفهم بها ذاته وينقدها. الثقافة ليست ترفا يؤجَل، بل هي البنية التحتية الخفية لكل تقدم؛ دونها يصير أي إنجاز اقتصادي أو تقني محدود الأثر، سريعَ التآكل، لأنه لا يستند إلى وعي راسخ ولا إلى عقلٍ نقدي قادر على تصحيح المسار.
وفي حالة "المنكب البرزخي"، تتعقد هذه الإشكالية، إذ يتداخل ضعف الإنتاج الثقافي مع حضور قوي لبنى اجتماعية تقليدية لا تزال تتحكم في توزيع المكانة والفرص. فالمجتمع، في كثير من تجلياته، لا يزال مسكونا بثقل الانتماء القبلي والتراتبية الطبقية، حيث تمنح المكانة أحيانا بحكم الأصل لا الكفاءة، ويعاد إنتاج هذا المنطق عبر أعراف وتصورات متوارثة. وفي سياق كهذا، يضعف الحراك الاجتماعي، وتنسد أمام الأفراد قنوات الصعود القائم على الجهد والكفاءة والاستحقاق.
ومن أشد مظاهر هذا الخلل خطورة تلك النظرة الدونية لبعض أشكال العمل، لا سيما الأعمال اليدوية والحرفية، التي ينظر إليها أحيانا باعتبارها أقل شأنا ومانعة عن الإبداعي المهف، مقابل تعظيمٍ رمزي لمكانات لا ترتبط بالضرورة بإنتاج أو إبداع. وهذا التناقض ينال من صميم فكرة القيمة المرتبطة بالعمل، ويفضي إلى مفارقة حادة تتجلى في مجتمع يحتاج إلى كل ألوان العمل لينهض، لكنه في الآن ذاته يقصي بعضها رمزيا واجتماعيا. أوليس لنا في شريحة "الصناع" المثل الصريح على العبقرية الحرفية والأدبية معا:
يا أيها الـ "يبات *** "ذين آمنوا" وامات
هاذا لاي حكم أمات *** فالحكم اليوم النايبكم
حرمتوها يخيات *** غير "امعلمكم" علمكم
لا تحرموا طيبات *** ما أحل الله لكم
ويزداد الموقف تعقيدا حين يستخدَم الدين استخداما انتقائيا لتبرير هذه البنى أو حمايتها، فيحول عمدا - في بعض التأويلات - من قوة أخلاقية تدفع نحو العدل والمساواة والمساءلة، إلى أداة تضفي شرعية على الامتيازات، وتجعل من التجاوزات استثناءات مقبولة بل محصنة من النقد. والمشكلة هنا ليست في الدين ذاته، بل في توظيفه الاجتماعي حين يسخر لخدمة الواقع بدل تقويمه.
ومما يفاقم هذا الوضع محدودية الفضاءات الحوارية الحرة، وضعف حضور العلوم الإنسانية في النقاش العام، إذ يقل الجدل العقلاني حول هذه القضايا، ويغيب التحليل العميق القادر على تفكيك هذه البنى واقتراح البدائل. وبدون هذا الجهد الفكري، تبقى الإشكالات قائمةً يعاد إنتاجها بأشكال مختلفة، حتى في ظل محاولات إصلاحية في مجالات أخرى.
وفي ظل هذه الشروط، قد تظهر بعض مظاهر التقدم، سواء في البنية التحتية أو في بعض المؤشرات الاقتصادية، لكنها تظل محدودة الأثر ما لم ترافقها نهضة موازية في الوعي والثقافة. فالنهضة الحقيقية لا تقاس بما يبنى من طرق ومؤسسات، بل بما يبنى في العقول من قيم العمل والعدالة والنقد والإنسان بما يقدمه لا بما يرثه.
وإن تجاوز هذه التحديات لا يقتضي بالضرورة قطيعة مع التراث، بل يقتضي إعادة قراءته وتحريره من التوظيفات المعيقة، وفتح المجال لثقافة نقدية حية، وتعزيز تعليم ينمي التفكير لا الحفظ، وتوسيع فضاءات حوارية تتاح فيها مساءلة "المسلمات" دون خوف أو وصم. هناك فقط، تبدأ ملامح نهضة حقيقية على رأسها الأدب والفن، متجذرة في الواقع، وقادرة على الاستمرار في توليد الحاضر الديناميكي الـذي يبقي على إشراقات الماضي وتجليات المستقبل.
هل نتجه إلى صياغة الوعي الجماعي/الولي سيدي هيبه
