شهد العام التاسع للهجرة خروج النبي محمد ﷺ على رأس جيش قوامه نحو ثلاثين ألف مقاتل باتجاه منطقة تبوك شمال الجزيرة العربية، في واحدة من أبرز الحملات العسكرية التي عُرفت تاريخيًا باسم “غزوة العُسرة”، نظرًا لما رافقها من ظروف مناخية قاسية، وبعد مسافة، وضيق في الموارد.
وجاءت الغزوة على خلفية أنباء عن استعداد الإمبراطورية البيزنطية لحشد قواتها على حدود الشام، ما دفع القيادة الإسلامية في المدينة المنورة إلى التحرك الاستباقي لتأمين الجبهة الشمالية وردع أي تهديد محتمل.
وقد شهدت الحملة تفاعلًا واسعًا من الصحابة في تجهيز الجيش، حيث برزت مساهمات كبيرة، من بينها ما قدمه عثمان بن عفان من دعم مالي ولوجستي أسهم في تجهيز عدد كبير من المقاتلين. في المقابل، تخلف بعض المنافقين عن المشاركة، كما تخلف ثلاثة من الصحابة دون عذر، قبل أن تُقبل توبتهم لاحقًا.
ورغم وصول الجيش الإسلامي إلى تبوك ومكوثه هناك قرابة عشرين يومًا، لم يقع قتال مباشر، إذ لم تظهر القوات البيزنطية في ساحة المواجهة. وخلال هذه الفترة، أبرم النبي ﷺ معاهدات صلح وتحالف مع عدد من القبائل وأمراء المناطق الحدودية، ما عزز النفوذ السياسي للدولة الإسلامية في الشمال.
وأسفرت الغزوة عن جملة من النتائج البارزة، أبرزها ترسيخ هيبة الدولة الإسلامية في الجزيرة العربية، وتأمين حدودها الشمالية، وإيصال رسالة ردع واضحة للقوى الإقليمية آنذاك، فضلًا عن كشف مواقف المتخلفين عن الجهاد وتمييز الصف الداخلي.
وتُعد غزوة تبوك من آخر الغزوات التي قادها النبي ﷺ، ومقدمة لمرحلة جديدة اتسمت بتوسع النفوذ الإسلامي واستقرار أركان الدولة قبيل وفاته عليه الصلاة والسلام.
غزوة تبوك.. محطة مفصلية في تثبيت هيبة الدولة الإسلامية
