الأجواء الفكرية والاجتماعية التي أنتجت سيرة الثورة على الذات
- الجزء الأول:
عصر التنوير وتناقضاته الخفية.
في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بينما كانت أوروبا تُناقش مُثُلَ العقلانية والحرية، كانت تعيش تناقضًا عميقًا: فَرَغمَ صعود فلسفات فولتير وديدرو التي نادَتْ بتحرير الفكر من سلطة الكنيسة، ظلَّ المجتمعُ الأوروبي مُقيَّدًا بأغلال التراتبية الطبقية والقمع الأخلاقي. جان جاك روسو (1712–1778)، الذي وُلد في جنيف الكالفينية، حيثُ كانت الفضيلةُ العامة تُراقب من نوافذ المنازل، حملَ معه طوال حياته صراعًا بين قيم المدينة البروتستانتية الصارمة ورغبته في تحطيم التابوهات.
لم يكن التنويرُ حركةً موحَّدة كما يُصوَّر غالبًا، بل ساحة معركة بين تيارين:
1. "التنوير الرسمي": مُمثَّلًا بصالونات باريس الفاخرة، حيثُ كان الفلاسفة ينتقدون الدينَ لكنهم يُمجِّدون النظامَ الاجتماعي القائم.
2. "التنوير الهامشي": الذي انتمى إليه روسو، والذي رأى أن العقلانيةَ نفسها أصبحت أداةً لقمع الطبيعة الإنسانية. هنا، نجدُ مفارقةً: روسو، الذي شارك في تحرير "الموسوعة" مع ديدرو، انقلبَ على رفاقه واتهمهم بـ"تزييف الفلسفة لخدمة النخبة".
-الجزء الثاني:
الحرب السرية بين روسو والسلطات.
عندما نشر روسو كتابه *إميل أو عن التربية* (1762)، الذي هاجمَ فيه التعليم الكنسي ودعا إلى تربيةٍ طبيعية، أُحرقت النسخ في باريس وجنيف، وهربَ من بلدٍ إلى آخر كـ"مهاجر فكري". لكنَّ المنفى لم يكن مجرد عقاب، بل أصبح جزءًا من أسطورته الذاتية. في رسالةٍ سرية إلى صديقه ماركيز دي ميرابو (1767)، كتب: «أنا لستُ مجنونًا... لكنني أختلقُ الجنونَ كي أُبقي على حريتي».
هذه الفترة شهدتْ تحوُّلًا في كتابات روسو من الأعمال الفلسفية إلى السيرة الذاتية، كردِّ فعلٍ على شعوره بأنَّ العالمَ يُشوّه صورته. ففي عام 1764، نشر فولتير كتيبًا سريًّا بعنوان *"مشاعر المواطنين"*، كشفَ فيه عن إهمال روسو لأطفاله الخمسة، مما دفع الأخيرَ إلى كتابة "اعترافات" كدفاعٍ عام.
-الجزء الثالث:
الثقافة الشعبية المنسية: من الحانات إلى الصالونات.
رغم أنَّ التاريخ يروي قصصَ صالونات باريس الفكرية، إلا أنَّ روسو استلهمَ سردَهُ من عالمٍ آخر: "ثقافة الحانات والطبقة العاملة". فخلال ترحاله، تعرَّفَ على حكايات الخدم والعاهرات الذين لم يصل صوتُهم إلى كتب التاريخ. في "اعترافات"، يصفُ لقاءَه بخادمةٍ في حانةٍ بمدينة ليون: «كانت عيناها تحملان قصصًا لم يُكتبها فولتير».
هذا التمازج بين العالمين — النخبة والهامش — يُظهر تناقضَ عصر التنوير: فَرَغمَ خطابِ المساواة، ظلَّت الثقافةُ الشعبيةُ تُعتبرُ "همجية". روسو، الذي عاش على هامش المجتمع، حوَّلَ هذه الهامشيةَ إلى سلاحٍ في سيرته، مُعلنًا أنَّ "الحقيقةَ تكمنُ في القاع".
-الجزء الرابع:
النساء الخفيات: القوة النسوية المكبوتة في القرن الثامن عشر.
لم تكن النساءُ مجرد شخصياتٍ في حياة روسو، بل كنَّ قوى فاعلةً في تشكيل فلسفته. "مدام دي وارنز"، التي استضافته في شبابه، لم تكن مجرد عشيقة، بل كانت مُنظِّرةً سريةً عن الحب الحر، حيثُ دعتْ إلى علاقاتٍ خارج إطار الزواج قبل قرنٍ من ظهور الحركات النسوية. لكنَّ التاريخَ طواها، لأنَّ خطاباتها كانت شفهية.
في المقابل، فإنَّ "تيريز لوفاسور"، رفيقة روسو الأمية، تكشفُ عن تناقض آخر: فَرَغمَ أنها ساعدته في كتابة