تشهد موريتانيا في السنوات الأخيرة حالة متزايدة من التداخل والخلط بين العمل الصحفي المهني، سواء كان موالياً للنظام أو معارضاً، وبين ما يُنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي من قبل أفراد يقدّمون أنفسهم كمدونين أو صحفيين دون امتلاك الحد الأدنى من التأهيل أو الالتزام بأخلاقيات المهنة. وقد ساهم الانتشار الواسع للهواتف الذكية وسهولة البث المباشر في تعزيز هذه الظاهرة، حيث أصبح بإمكان أي شخص نقل الأحداث فور وقوعها، وهو ما يلقى رواجاً لدى المواطن العادي الباحث عن السرعة والإثارة.
غير أن هذا الواقع، على الرغم من إيجابياته المرتبطة بحرية التعبير وتعدد مصادر المعلومات، أفرز تحديات حقيقية تهدد جوهر العمل الصحفي ودوره الحيوي في بناء الوعي المجتمعي وخدمة الصالح العام. فغياب الضوابط المهنية وافتقار كثير من هؤلاء “الناشرين الجدد” إلى التكوين الإعلامي، أدى إلى انتشار الأخبار غير الدقيقة، وتأجيج الرأي العام، وتغذية خطاب سلبي قد يضر بالاستقرار الاجتماعي.
وفي خضم هذا المشهد، تتراجع مكانة الصحافة الجادة التي تقوم على التحقق، والتحليل، والالتزام بالمسؤولية، لتجد نفسها مزاحَمة بمحتوى سريع الانتشار لكنه يفتقر إلى المصداقية والمعايير المهنية. ومع استمرار هذا الخلط، يصبح من الصعب على المتلقي التمييز بين الخبر والرأي، وبين المعلومة الموثوقة والإشاعة.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى تدخل واعٍ من الجهات المعنية لتنظيم الحقل الإعلامي، ليس بهدف تقييد الحريات، بل لضمان الحد الأدنى من المهنية وحماية المجتمع من الفوضى الإعلامية. ويشمل ذلك وضع معايير واضحة لممارسة العمل الصحفي، وتعزيز التكوين والتأهيل، وتفعيل القوانين المنظمة للمهنة، بما يضمن التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية.
كما أن حماية مهنة الصحافة تقتضي إعادة الاعتبار للتخصص الأكاديمي في الإعلام، وعدم ترك المجال مفتوحاً لكل من لم يجد مساراً مهنياً آخر، ليقتحم هذا المجال الحساس بأدوات بسيطة كالهاتف ووسائل البث. فالإعلام ليس مجرد نقل لحظي للأحداث، بل هو رسالة ومسؤولية تتطلب وعياً، ومعرفة، والتزاماً بقيم المهنة.
إن مستقبل الإعلام في موريتانيا مرهون بقدرتنا على الفصل بين الصحافة المهنية والمحتوى العشوائي، وبمدى نجاحنا في بناء بيئة إعلامية تحترم الحقيقة، وتخدم المجتمع، وتواكب في الوقت ذاته التطور التكنولوجي دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية.
أصالة ميديا
