في لفتة ثقافية عميقة الدلالة، دعا وزير الثقافة د. الحسين ولد مدو إلى أن يحظى البحر بنصيب أوفر من اهتمام الأدباء والكتاب، أسوة بما ناله العمق من حضور كثيف في الشعر والسرد والذاكرة الجمعية. والحقيقة أنها دعوة تستحق التوقف والتأمل، إذ ظل هذا العمق وصحراؤ بما تختزنه من قيم الترحال والصبر والشجاعة والمغامرة والكرم، المصدر الأبرز لإلهام "المخيال" الأدبي الوطني واستنطاق القريحة النابضة لأدباء يجري القريض في دمائهم، بينما بقي الساحل الممتد على مئات الكيلومترات وما يحمله من ثراء إنساني وتاريخي وجمالي، أقل حضورا في المتن الأدبي والثقافي.
فليس البحر مجرد كتلة من الماء، بل عالم قائم بذاته، تخفي أعماقه أسرارا لا تزال عصية على الاكتشاف الكامل وإن في المرات يبوح بمقدار، وتزخر جنباته بعوالم من الحياة والجمال. وعلى امتداد شواطئه وجزره وخلجانه تتشكل لوحات طبيعية آسرة، يكتمل سحرها بذاك التناغم الفريد بين صفحة البحر وصفحة السماء، حتى ليبدو وكأنه يستعير من السماء ألوانها ونقاءها وتقلباتها، طورا يكتسي زرقتها الهادئة، وطورا يعكس ألوان الشفق وأطياف الغروب، في مشهد ظل عبر العصور مصدر إلهام للشعراء والرحالة والفنانين.
ولعل ما يمنح هذه الدعوة أهميتها أنها تفتح الباب أمام إعادة التوازن إلى صورة الجغرافيا الموريتانية في الأدب، فإذا كانت الصحراء قد استأثرت طويلا بمخيلة الكتاب، فإن البحر لا يقل عنها غنى بالرموز والدلالات. بل إن المقارنة بينهما تكشف عن تشابه عميق رغم اختلاف المظهر علما بأن الصحراء بحر من الرمال، والبحر صحراء من الماء. لكل منهما آفاقه الممتدة، وأسراره المكنونة، ومسالكه التي لا يهتدي إليها إلا أهل الخبرة.
فكما أن للصحراء كثبانها المتحركة التي تشبه أمواج البحر، فإن للبحر أمواجه التي لا تكف عن إعادة رسم حدوده. وكما أن للصحراء واحات تعد مرافئ للرحالة، فللبحر موانئ وجزر تؤوي السفن والمسافرين. وإذا كانت الإبل سفن الصحراء، فإن السفن إبل البحر، تحمل الناس ومتاعهم وتعبر بهم المسافات والمخاطر. وكما أن للبحر ربابنة يقرؤون الرياح والتيارات، فللصحراء أدلاء يقرؤون النجوم والمسالك وآثار الرمال.
ومن هنا كما أفصح الوزير بحسه الأدبي الرفيع فإن البحر والصحراء ليسا فضاءين متقابلين، بل وجهان متكاملان للهوية الموريتانية، أحدهما صنع أدب البادية والترحال والصبر على المكاره، والآخر قادر على أن يثري الأدب الوطني بأبعاد جديدة من التأمل والانفتاح والمغامرة واكتشاف المجهول. لذلك تبدو دعوة وزير الثقافة دعوة إلى توسيع أفق المخيال الأدبي، كي يستوعب كامل الجغرافيا الوطنية، من بحر الرمال في الداخل إلى البحر الأطلسي على تخوم الأفق الغربي، حيث تتعانق السماء والماء في مشهد لا يقل شعرية وإلهاما عن أبهى الصور الصحراوية الخالدة.
وزير الثقافة.. أيقظ المخيلة واستدعى البحر إلى الأدب/الولي سيدي هيبه
