ليست الثقة تفصيلاً عابرًا في حياة الناس، ولا إحساسًا ثانويًا يمكن القفز فوقه بخفّة مستفزّة؛ فالاستهانة بثقة الآلاف، وبكرامتهم النفسية والإنسانية، فعلٌ لا يُغتفر، ولا يجوز أن يُواجَه بالتجاهل، لأن التجاهل في مثل هذه الحالات تواطؤٌ صامت مع العبث، ومنحٌ غير مستحق لمن يقتاتون على الفوضى والتضليل.
وعلى الاستفزازيين، ولا سيما أولئك الذين يجهلون معنى المشاعر وقدسية القدوة ـ أسرية كانت أو وظيفية ـ أن يدركوا أن المجتمعات السويّة، ذات الأعراف الراسخة والذائقة الجمعية المتزنة، لا تفتح أبوابها لكل من هبّ ودبّ ليعبث بالقيم أو يُسفّه الرموز، بحثًا عن موطئ قدم في عوالم افتراضية لا تعترف إلا بالضجيج.
فليست كل مشاركة حضورًا، ولا كل تفاعل ـ ولو كان سلبيًا ـ تأثيرًا، خاصة في ظل تنامي اضطرابات نفسية متشعبة ومتفاوتة الخطورة، تتغذّى على الإساءة وتقتات على التشويه.
وعلى هواة إشاعة الكذب، وصنّاع التلفيق، ومروّجي النميمة ـ ابتزازًا أو تسوّلًا أو سعيًا وراء شهرة زائفة عبر بعض الصفحات ـ أن يدركوا أنهم، يومًا بعد آخر، لا يفعلون سوى كشف تناقضاتهم وتعريتهم أمام الرأي العام.
وكان الأجدر بغالبيتهم امتلاك حدٍّ أدنى من المسؤولية، يدفعهم إلى تطوير أدواتهم في التحليل والنقد، وأن يُحصّنوا أطروحاتهم ـ على الأقل ـ بالأدلة والبراهين، مهما بلغ التحفّظ على أساليبهم السائدة ومستوى الطرح الذي يعتمدونه.
ومن أبسط المسلّمات في عوالم الصراع، لا سيما في البيئات المحافظة، وعند المراقبين الواعين، ضرورة صيانة قاعدة المناصرين من التغرير بهم في لحظات عاطفية عابرة، وتجنّب فتح جبهات متعددة في آن واحد، حتى لا تضيع التراكمات دفعة واحدة.
فالحكمة ليست في كثرة المعارك، بل في حسن اختيارها، والاستفادة من التجارب السابقة، واحترام القوانين الوطنية والدولية، وأخذ الحيطة من مختلف أشكال الاستدراج، خصوصًا تلك التي تتخفّى في ثوب الفضول أو حسن النية.
إن البناء على الشك، والانطلاق من الأحكام المسبقة، وإقصاء أدوات البحث العلمي، ليس سوى إعلان هزيمة مبكرة مهما بدا الضجيج عاليًا.
فالبعض، وإن بدا صامتًا، متعففًا، ومتجاهلًا، يكون في الحقيقة مسلّحًا بترسانة وعي وتحليل، ويُجيد تغيير أرضية الصراع ونوعه وأسلوبه وتوقيته، بما يجعل التفوّق سمة من خصوصياته، ولو بعد طول انتظار.
فاعتبروا يا أولي الألباب وأصحاب البصيرة؛ فليس كل من صرخ انتصر، ولا كل من كرّر التشويه نجح، والثقة والمشاعر أولى بالرعاية من الانتحار في معارك غير متكافئة حنكةً وعدّةً وعتادًا.
