مفارقة التراجع الثقافي في عصر وفرة الوسائل/الولي سيدي هيبه

"... في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لم تكن الاستوديوهات المتطورة متاحة، ولا المنصات الرقمية قائمة، ولا وسائل الإنتاج الحديثة متوفرة كما هي اليوم؛ غير أن ما كان حاضراً بقوة هو الطموح المتقد، والشغف الصادق، والثراء اللغوي، والخيال الخصب، والإحساس العميق برسالة الثقافة ودورها في بناء الوعي وصناعة الجمال..."

في موريتانيا اليوم تكمن المفارقة الأساسية في أن التقدم التقني والتعليمي الذي كان يفترض أن يدفع الحياة الثقافية إلى الأمام لم ينعكس بالقدر نفسه على الإبداع والفنون، بل تزامن في كثير من الأحيان مع تراجع حضورها وتأثيرها. فمع انتشار الجامعات ووسائل الاتصال الحديثة والثورة الرقمية، كان المنتظر أن تزدهر مجالات المسرح والسينما والرواية والقصة القصيرة والفنون التشكيلية، غير أن الواقع يكشف اتجاها مغايرا حيث تبدو هذه المجالات أقل حيوية مما كانت عليه في فترات سابقة اتسمت بندرة الإمكانات، ومن هنا يبرز السؤال المحوري، لماذا لم يتحول التقدم التقني إلى نهضة ثقافية موازية كما هو الحال في البلدان الأخرى من الجوارين المغاربي والغرب إفريقي؟

تثبت الشواهد الكثير الموثقة أن مرحلة الثمانينيات والتسعينيات شهدت بروز تجارب مسرحية وسينمائية وأدبية جادة من روادها من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وكادت بعض تلك التجارب أن تؤسس لطفرة ثقافية غير اعتيادية. يومها لم تكن هناك استوديوهات متطورة ولا منصات رقمية ولا وسائل إنتاج حديثة، لكن ما كان متوافرا هو الطموح، والشغف، والثراء اللغوي، والخيال الخصب، والشعور العميق برسالة الثقافة ودورها في بناء الوعي الجماعي، وكان المبدع يكتب ويمثل ويصور انطلاقا من حاجة حقيقية إلى التعبير والفهم والتغيير.

وتتضح المفارقة أكثر إذا نظرنا إلى طبيعة الفنون نفسها، فهي من أكثر المجالات القابلة للاستفادة من التطور التقني. فالكاميرا أصبحت في متناول الجميع، والنشر لم يعد حكرا على دور الطباعة، ووسائل التواصل فتحت آفاقا واسعة للوصول إلى الجمهور. ومع ذلك لم تفض هذه التحولات إلى ازدهار إبداعي مماثل، بل بدا أحيانا أن وفرة الأدوات تخفي ضعفا في الإنتاج الثقافي النوعي.

ولا يعود هذا التراجع إلى نقص الوسائل أو غياب المواهب، بل إلى عوامل أعمق تتعلق بالبنية الثقافية والاجتماعية. فمن جهة، ظلت المؤسسات الثقافية محدودة الفاعلية في احتضان المواهب وتطويرها وضمان استمرارية المشاريع الإبداعية. ومن جهة أخرى، أسهمت ثقافة الاستهلاك السريع في إضعاف الاهتمام بالفنون التي تحتاج إلى التراكم والصبر والجهد الذهني، فأصبحت الرواية تنافس كما هائلا من المحتوى العابر، وواجه المسرح والسينما الجادة هيمنة المحتوى السريع.

غير أن العامل الأعمق ربما يكمن في بطء التحول الثقافي نحو قيم المدنية الحديثة رغم التوسع الكبير في التعليم. فقد نجح المجتمع في تعميم التمدرس إلى حد بعيد، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في ترسيخ الثقافة المدنية القائمة على العقلانية والعمل المؤسسي والتخطيط طويل المدى واحترام التخصص وتقدير الإنتاج المعرفي. وهنا تتجلى مفارقة كبيرة تمثلت في ارتفاع عدد الشهادات من دون أن يعني نموا موازيا في الوعي الثقافي أو الحضاري.

كما أن بعض أنماط التفكير التقليدية ما زالت تمارس تأثيرها في الحياة العامة، حيث تتقدم أحيانا الولاءات الضيقة والمصالح الآنية على قيم الإبداع والعمل الجماعي والتراكم المعرفي. وفيما تطورت الأدوات والمظاهر، لم يواكب التحول في البنى الذهنية السرعة نفسها لهذا التطور. لذلك نجد مجتمعا يمتلك وسائل حديثة ويستخدم تقنيات متقدمة، لكنه لم ينجز بالكامل الانتقال من ثقافة الارتجال إلى ثقافة المشروع، ومن منطق الاستهلاك إلى منطق الإنتاج، ومن السعي إلى المكاسب السريعة إلى الاستثمار في المعرفة والفن والفكر.

وبالطبع ليست البداوة، بوصفها مرحلة تاريخية وثقافة اجتماعية، موضع إدانة في حد ذاتها لانها حملت قيما نبيلة وأسهمت في تشكيل الشخصية الوطنية. غير أن استمرار بعض أنماطها السلوكية والفكرية في فضاء الدولة الحديثة يخلق حالة من التوتر بين مقتضيات العصر ومتطلبات التحديث. فالإبداع الفني والأدبي لا يزدهر في بيئة تفتقر إلى الاستقرار المؤسسي وإلى ثقافة التراكم والانضباط والاحتراف، مهما بلغت وفرة الوسائل التقنية.

لذلك فإن أزمة المسرح والسينما والرواية والقصة والفنون الجميلة الاخرى في موريتانيا ليست أزمة أدوات ولا أزمة مواهب، بل هي في جوهرها أزمة بيئة ثقافية ومؤسساتية لم تستطع حتى الآن تحويل التقدم التعليمي والتقني إلى قوة منتجة للإبداع. لقد امتلكنا التكنولوجيا التي كان يحلم بها الرواد، لكننا لم نبنِ بالقدر نفسه المناخ الثقافي القادر على توظيفها في مشروع نهضوي مستدام.

ويتضح من هنا أن استعادة الحيوية الثقافية لا تتحقق بمراكمة التقنيات والتجهيزات فحسب، بل بمعالجة الخلل الذي جعل التطور التقني يتقدم على تطور الوعي والمؤسسات والقيم الحاضنة للإبداع. فجوهر المشكلة ليس نقص الأدوات، وإنما ضعف القدرة على تحويلها إلى أثر ثقافي وحضاري، فالأمم لا تقاس بما تمتلكه من وسائل حديثة فقط، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى وعي، والتعليم إلى ثقافة، والتقدم التقني إلى مشروع حضاري ينعكس في الفكر والفن والإبداع.