الفكرة والعصبية. ثنائية المرجعية والموقع/الولي سيدي هيبه

..إن خطوط الاصطفاف الحقيقية عند" نخبة" المنكب القصي لا تتحدد بالمواقف الفكرية المعلنة، وإنما تصوغها، في الغالب الأعم، شبكات الانتماء القبلي والجهوي والعائلي التي تظل الفاعل الأكثر تأثيرًا في تشكيل التحالفات وتحديد المواقف..
في موريتانيا، حيث تتعايش التناقضات أكثر مما تتعايش الأفكار، يحتدم بين الفينة والأخرى جدل يبدو، في ظاهره، صراعًا بين اتجاهين مختلفين في النظر إلى قضايا الدولة والمجتمع. ويتبادل الطرفان الاتهامات، مستندين إلى ترسانة من المصطلحات الفكرية والسياسية، حتى ليخيل للمتابع أن البلاد تعيش مواجهة بين مشروعين متكاملين، غير أن هذا الانطباع لا يلبث أن يتلاشى أمام الفحص.
وليس من المبالغة القول إن العلمانية ليست مجرد موقف رافض لهيمنة الدين على المجال السياسي، ولا يمكن اختزالها في هذا المعنى، وإنما هي منظومة فكرية وقانونية ومؤسسية تبلورت عبر تطور تاريخي ممتد، وأفرزت تصورا متكاملا للدولة المدنية الحديثة، يرتكز على سيادة القانون، والمواطنة المتساوية، واستقلال المؤسسات، والفصل بين السلطات، وضمان الحريات العامة.
وبالمثل، فإن التيار الإسلامي وفروعه الكثيرة، بغض النظر عن الاتفاق معه أو الاختلاف حوله، يمثل مدارس فكرية وتنظيمية لها أدبياتها ومشروعها السياسية وتجاربها المتعددة في بلدان مختلفة وما راكمته من نجاحات وإخفاقات.
أما في موريتانيا، فإن كثيرا ممن يصنفون ضمن هذين المعسكرين لا يجسِدون - في الواقع - تلك المرجعيات إلا في حدود الشعارات. فلا هؤلاء أنتجوا مشروعا للدولة المدنية، ولا أولئك قدموا مشروعا إسلاميا متماسكا لإدارة الشأن العام. وما يعرض في الساحة غالبا ليس صراع أفكار، بل صراع مواقعٍ تستعار له مفردات الفكر لإضفاء المشروعية.
ولعل الدليل الأكثر وضوحا على ذلك أن خطوط الاصطفاف الحقيقية لا ترسمها المواقف الفكرية، وإنما ترسمها، في كثير من الأحيان، الانتماءات القبلية والجهوية والعائلية. فما إن يشتد السجال حتى تتشكل التحالفات وفق منطق العصبية، فتقف القبائل خلف الناطقين باسم هذا التيار أو ذاك، لا اقتناعا بما يحملونه من أفكار، وإنما لأنهم أبناء القبيلة أو الجهة أو الدائرة الاجتماعية نفسها.
وهنا تسقط في الغالب الأقنعة، فلو كان الانتماء فكريا حقا، لتبدلت الاصطفافات بتبدل الحجة، ولما كان لأصل الإنسان أو قبيلته أي وزن في تحديد المواقف. لكن الواقع يكشف أن القبيلة تظل، عند الامتحان، أقوى من الفكرة، وأن العصبية تنتصر على الإيديولوجيا.
قبل أكثر من ستة قرون وصف ابن خلدون هذه الظاهرة حين جعل العصبية المحرك الأساسي للعمران السياسي قبل قيام الدولة المستقرة. أما الدولة الحديثة، كما بلورها ماكس فيبر، فهي التي تحتكر السلطة الشرعية، وتجعل القانون فوق الروابط الأولية، وتحول المواطن من تابع لجماعته إلى شريك متساوٍ في الوطن. وبين هذين النموذجين تقف موريتانيا، حتى اليوم، في منطقة انتقال لم تحسم بعد.
ولهذا تبدو معارك نخب "المنكب" الفكرية، في كثير من الأحيان، مجرد واجهات حديثة لبنى اجتماعية قديمة، حيث الخطاب حديث، لكن آليات الاصطفاف تقليدية، والمصطلحات مستوردة من أدبيات السياسة المعاصرة، بينما السلوك محكوم بمنطق ما قبل الدولة.
والحقيقة المؤكدة تبقى أن الدولة لا يمكن أن تنشأ فوق ولاءات متنافسة، بل فوق ولاء واحد هو المواطنة. ولا يمكن أن تزدهر الأفكار في بيئة يكون معيار الاصطفاف فيها هو اسم القبيلة لا قوة البرهان، ولا يمكن للديمقراطية أن تترسخ إذا كانت صناديق الاقتراع نفسها تعكس خرائط العصبية أكثر مما تعكس قناعات المواطنين.
ولهذا فإن الأزمة ليست أزمة علمانية ولا أزمة إسلام سياسي، بل أزمة مفهوم الدولة التي يحول غيابها، بالمعنى المؤسسي، الإيديولوجيات إلى أقنعة اجتماعية فيصبح اليساري قبليا، والإسلامي قبليا، والليبرالي قبليا، والمحافظ قبليا، لأن المرجعية العميقة التي تحكم الجميع ليست الفكرة، وإنما العصبية.
وبالطبع لا يعني ذلك إنكار وجود أفراد يؤمنون بإخلاص بما يطرحونه من رؤى، أو التقليل من قيمة الاجتهادات الفكرية القائمة، لكنها تبقى استثناءات لا تغير الصورة العامة، ما دام المجال السياسي والاجتماعي خاضعا، في جانب كبير منه، لمنطق الولاءات التقليدية الأولية.
إن المعركة التي تحتاجها موريتانيا، في هذا الطور القلق من مسارها، ليست بين العلمانية والإسلام السياسي، ولا بين اليمين واليسار، بل بين منطق الدولة ومنطق اللادولة، بين المواطنة والعصبية، بين الكفاءة والزبونية، وبين المستقبل الذي تبنيه المؤسسات، والماضي الذي يعيد إنتاج نفسه كلما حصل الاعتقاد بتجاوزه.
وحين يصير الانتماء إلى الوطن سابقا على الانتماء إلى القبيلة، وحين تقاس قيمة الإنسان بما يقدمه لا بمن ينتسب إليه، وحين تنتصر الفكرة على العصبية، عندها فقط يمكن أن نتحدث عن تيارات فكرية حقيقية، وعن تنافس سياسي ناضج، وعن دولة حديثة تحمل اسمها عاليا.