في الأصل، وُجدت المؤسسات الإعلامية لتكون صوت المجتمع، ومنبراً للحقيقة، ومساحة للنقد البناء والتعددية، غير أن المتابع للشأن الإعلامي الوطني يلاحظ في بعض الأحيان ظاهرة مقلقة تتمثل في الإفراط في تمجيد وتلميع مديري المؤسسات الإعلامية الحكومية حتى تتحول بعض المنابر من أدوات خدمة عامة إلى ساحات دعاية شخصية.
الأكثر غرابة في هذه الظاهرة أن من يقودون حملات التمجيد ليسوا فقط بعض المنتفعين من الخارج، بل أحياناً من يتولون مسؤوليات إدارية داخل هذه المؤسسات ، ممن يفترض أن يكونوا حراساً للمهنية والاستقلالية. فيسخرون المنصات، والبرامج، وصفحات التواصل، لصناعة صورة مثالية للمدير، وتقديمه باعتباره المنقذ وصاحب الإنجازات الخارقة، في تجاهل واضح لدور الفرق العاملة، وللحقائق الموضوعية التي يجب أن تقاس بالأداء لا بالمديح.
كما يظهر في المشهد أيضاً بعض المأجورين الذين يتنقلون بين المنابر والصفحات وفقاً للمصلحة، يكتبون اليوم ما يُطلب منهم، ويهاجمون غداً من كانوا يمتدحونه بالأمس. هؤلاء لا ينتمون إلى الإعلام المهني، بل إلى سوق الولاءات المؤقتة، حيث تُباع الأقلام وتُشترى المواقف.
إن أخطر ما في هذه الممارسات أنها تقتل روح النقد الداخلي، وتزرع الخوف والصمت بين الموظفين، وتُبعد الكفاءات الجادة، كما تُفقد الجمهور ثقته بالمؤسسة الإعلامية. فالمواطن اليوم أكثر وعياً، ويستطيع التمييز بين الإنجاز الحقيقي والضجيج المصطنع.
المدير الناجح لا يحتاج إلى المطبلين، بل إلى نتائج ملموسة، وبيئة عمل عادلة، ومؤسسة قوية تستمر بعد رحيله أما من يعتمد على صناعة الهالة الإعلامية حول شخصه، فإنه غالباً يخفي هشاشة في الإدارة أو ضعفاً في الإنجاز.
إن إصلاح هذا الواقع يبدأ بترسيخ أخلاقيات المهنة، وفصل الإعلام المؤسسي عن الدعاية الشخصية، وفتح المجال أمام النقد والتقييم الموضوعي، لأن المؤسسات لا تبنى بالأناشيد، بل بالكفاءة والشفافية والعمل الجاد.
المخرج الشيخ ولدحبيب.
