في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات لم تكن بلديتنا الريفية "فم لكليت" مجرد نقطة على الخريطة الموريتانية بل كانت مسرحاً لتبادل ثقافي فريد صاغ وعينا ونحن فتية صغار هناك حيث شيدت الشركة الفرنسية (Dodain) سد فم لكليت الزراعي بدأت فصول حكاية لم تمحها السنين حيث أعقبت الشركة الفرنسية شركة استصلاح زراعي صينية وشيدت حيّاً خاصاً بها غرب القرية، على مقربة من الحي الفرنسي المعروف محلياً بـ "الباز". تحول هذا الحي الصيني إلى مغناطيس يجذبنا نحن فتية القرية كل مساء في وقت لم تكن فيه التلفزيونات الملونة متاحة في بيوتنا كانت الشاشات الملونة في الحي الصيني تعرض لنا عوالم مدهشة من خلال أفلام تنبض بالحياة والثقافة والفنون القتالية وقصص إنسانية تعكس قيم الصبر العمل والعراقة في أمسيات ممتعة كنا نقضيها بشغف واستمتاع حتى وقت متأخر من الليل ومنذ تلك الليالي ارتبط ذهني بكل ما هو صيني ولم يكن هذا الارتباط عاطفياً فحسب بل رافقني في تفاصيل حياتي اليومية لاحقاً من الملابس، إلى الآلات المنزلية وصولاً إلى الهواتف الذكية، لتصبح "الصين" بالنسبة لي مرادفاً للجودة الجدية والابتكار لم يكن حضور الصينيين في "فم لكليت" مجرد مصادفة بل هو جزء من تاريخ طويل وعميق للوجود الصيني في موريتانيا والذي تميز دائماً بلمس حياة المواطن البسيط عبر مشاريع البنية التحتية العملاقة مثل ميناء الصداقة المستقل في نواكشوط ودار الثقافة ومستشفى الصداقة، بالإضافة إلى مشاريع الاستصلاح الزراعي كسد فم لكليت ومزارع الأرز في الضفة، والتي مثلت عصب الأمن الغذائي لقد كانت دبلوماسية شعبية حقيقية لم تعتمد على الشعارات بل على الاختلاط بالسكان واحترام خصوصيتهم ومشاركتهم تفاصيل الحياة والتكنولوجيا المتاحة لديهم آنذاك كأداة للترفيه والتقارب اليوم، تكتمل الدائرة فهذه الزيارة التي أقوم بها رفقة وفد إعلامي عربي إفريقي ليست مجرد رحلة عمل بل هي "رحلة العمر" والعودة إلى المنبع الذي ألهم طفولتي إنها فرصة لأرى عن قرب وبعين الإعلامي الشاهد على التاريخ عراقة هذا الشعب العظيم الذي ألهمنا في قرية وادعة بريف موريتانيا ويقود اليوم العالم عبر "طريق الحرير" نحو مستقبله المشترك
الطريق الي الصين / أشريف العربي
