الطفل الموريتاني ضحية ثقافة لا تراه ومسار يتعداه؟ /الولي سيدي هيبه

..ويبقى الأسوأ أن بعض الأدباء يتعاملون مع الكتابة للطفل كمرتبة أدنى، أو مجال لا يليق بـ"الأديب الناضج". وكأنهم ولدوا كبارا، يستحيون من طفولتهم، ويعتبرون العودة إليها انتقاصا من هيبتهم الأدبية.
يعد أدب الطفل في موريتانيا من أكثر المجالات الأدبية غيابا وتهميشا، رغم أهميته الكبرى في بناء الوعي وترسيخ القيم وتنمية الخيال لدى الأجيال الناشئة. فبينما تنشط الاتحادات والنوادي الأدبية في الاحتفاء بكبار الشعراء وإحياء التراث القديم ومحاولة مواكبة الحداثة، يظل أدب الطفل بمعزل عن الاهتمام الحقيقي، وكأن الطفل ليس جزء من المشروع الثقافي الوطني. وإن هذا الإهمال ليتناقض مع ما جاء به الإسلام الدي أولى الطفل عناية فائقة، حيث تطالعنا في القرآن الكريم وصية لقمان لابنه: (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)، وفي آية أخرى (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا)، مما يدل على أن تربية الأطفال وتوجيههم مسؤولية كبرى تبدأ من سن مبكرة.
ولقد أشار الدكتور محمد الأمين ولد الكتاب إلى هذا الفراغ، مؤكدا أن أدب الطفل في موريتانيا يعيش وضعا مترديا، وأن ما كتب فيه لا يزال محدودا جدا مقارنة بحاجات المجتمع. كما دعا إلى ضرورة الاهتمام بهذا اللون الأدبي لحماية الهوية الثقافية وتحصين الناشئة من الاستلاب. لا شك أن هذه الدعوة تتماشى مع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان يخالط الأطفال ويمازحهم، فعن أنس بن مالك قال: (إن كان النبي ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير، يا أبا عمير ما فعل النغير؟) رواه البخاري. فهذا النموذج النبوي يثبت أن التعامل مع الطفل بخياله وألعابه ليس ترفها بل سنة تربوية، وأن الكتابة للطفل تندرج ضمن الأمر بالمعروف والتربية الفاضلة.
ورغم هذا الغياب، فقد ظهرت محاولات جادة، وإن بقيت محدودة الانتشار والدعم. في مقدمتها عطاءات الدكتور محمد الأمين ولد الكتاب، الذي قدم قصصا للأطفال مستلهما البيئة المحلية والقيم الأخلاقية. كما برزت جهود في هدا الصدد لبعض الباحثين ومنهم لمرابط، ولد متالي الذي حاول رصد واقع أدب الأطفال وتحليل بنيته الفنية والثقافية. ومن النماذج التي تمثل نواة هذا الأدب، الحكايات الشعبية التي ترويها الجدات والأمهات في البوادي بما تحمله من قيم الشجاعة والصدق، والأناشيد التعليمية، ودور "المحاظر" التقليدية التي تغرس اللغة والقيم الدينية في الناشئة. غير أن هذه المادة ظلت شفوية ولم تتحول إلى إنتاج أدبي حديث يلامس ويلبي اهتمامات الطفل المعاصر، مع أنها تنبثق من تراث إسلامي غني، فقد قال الله تعالى عن يحيى عليه السلام (وآتيناه الحكم صبيا)، مما يشير إلى أن الحكمة والفهم يمكن أن يُمنحا في سن الطفولة، ويجب استثمار ذلك بأدب راق.
لكن الأكثر إيلاما وتفاقما هو الغياب عند المقارنة بما حققته الأمم الواعية من عناية بثقافة الطفل عبر المسرح والسينما والكتابة للصغار وقد أدركت أن بناء الإنسان يبدأ من خيال الطفل، وأن القصة والمسرحية ليست مجرد ترفيه، بل أدوات لصناعة الوعي وتشكيل الشخصية. لقد استطاع مسرح الطفل في بلدان عديدة أن يصنع أجيالا أكثر ثقة وجرأة، ونجحت السينما العالمية في تحويل قصص الأطفال إلى أعمال خالدة صنعت ذاكرة جماعية. فلم تكن أفلام الكرتون والمسرحيات التعليمية مجرد فن، بل مدارس موازية تعلم الطفل التفكير والحلم. وهذا ليس غريبا على المنهج الإسلامي الذي سبق إلى استخدام القصة والموعظة الحسنة؛ فالقرآن الكريم مليء بالقصص التي تخاطب الفطرة، مثل قصة يوسف وموسى وأصحاب الكهف، وهي قصص يمكن إعادة صياغتها للأطفال بأسلوب شيق مع الحفاظ على القيم.
والحقيقة التي لا يمكن التغافل عنها هي أن الطفل عندنا لا يزال على هامش الفعل الثقافي، فلا مسرح له حقيقيا، ولا سينما موجهة للصغار، ولا مجلات منتظمة، ولا دور نشر متخصصة. كما يغيب أدب الطفل عن التظاهرات والمهرجانات الكبرى، إذ تخصص المنابر والجوائز غالبا لأدب الكبار وحده، ويترك الطفل خارج المشهد بلا برامج أو فضاءات إبداعية. وهذا الواقع يتناقض مع الهدي النبوي الشريف حيث يأمر الأولاد بالصلاة لسبع وضربهم عليها لعشر فيما رواه عن بو داود علما بأن هذه المراحل العمرية الدقيقة تدل على أن بناء الطفل يحتاج إلى أدوات تتناسب مع كل مرحلة، ومن أهمها الفي عصرنا الأدب والقصص المصورة والمسرحيات التي تغرس القيم بلغة محببة.
ويبقى الأسوأ من كل ما تقدم أن بعض الأدباء يتعاملون مع الكتابة للطفل كمرتبة أدنى، أو مجال لا يليق بـ"الأديب الناضج". وكأنهم ولدوا كبارا، ويستحيون من طفولتهم، ويعتبرون العودة إليها انتقاصا من هيبتهم الأدبية. وهذا تصور خاطئ، بل هو من الجهل الهدي النبوي في مخالطة الصغار.
إن الكتابة للطفل ليست هامشية، بل هي من أصعب أنواع الكتابة وأكثرها عمقا، لأنها تحتاج إلى لغة واضحة بلا سذاجة، وخيال واسع بلا ابتذال، وقدرة على التربية. ولذا لم يتردد كبار الأدباء العالميين في الكتابة للأطفال، وكذلك كان علماء الإسلام كابن قيم الجوزية الذي ألف (تحفة المودودين بأحكام المولود)، وهو كتاب يبين حقوق الطفل من منظور إسلامي، ويصلح أن يكون مرجعا لكل كاتب يريد أن يخاطب الصغار.
كما يكشف واقع أدب الطفل في موريتانيا حاجة ملحة لمشروع ثقافي متكامل، تشارك فيه الدولة والمؤسسات والكتاب والإعلام، لإنتاج قصص ومسرحيات وأفلام تعبر عن البيئة الموريتانية والإسلامية وتخاطب الطفل بلغته وعالمه. فالطفل القارئ اليوم هو المثقف وصانع الوعي غدا، والأمم التي تهمل ثقافة الطفل إنما تهمل مستقبلها. والإسلام بحكمه وتشريعاته يقدم نموذجا رائعا في رعاية الطفولة، من خلال احترام خيال الطفل (كما في حديث النغير)، والوصية بالصلاة منذ السابعة، وتخصيص آيات كاملة لتربية الأبناء (كما في سورة لقمان). فلنستلهم هذه الروح، ولنصنع أدبا يليق بطفل موريتانيا، يستمد قوته من هويته العربية الإسلامية والافريقية، وينفتح في الوقت نفسه على فنون العصر الحديثة، حتى لا يظل أسيرا للاستلاب الثقافي أو للتهميش المدمر.
وإن معالجة أزمة أدب الطفل في موريتانيا لا تكتمل إلا بإرادة ثقافية شاملة، تضع الطفل في قلب المشروع التنموي. فنحن بحاجة إلى مشروع أدبي يخرج الطفل من التهميش إلى القيادة، مستلهما من تراثنا وقيمنا ما ينمي الخيال ويغرس الهوية. ألا يستحق الطفل الموريتاني اليوم أن يجد نفسه في كتاب. فمتى نصحح المسار؟