لا تُقاس قيمة الحوارات الوطنية بكثرة جلساتها، ولا بوفرة المشاركين فيها، وإنما تُقاس بقدرتها على ملامسة جوهر القضايا التي تؤرق الوطن، وبما تملكه من إرادة صادقة لتحويل الاختلاف إلى توافق، والتحديات إلى فرص، والطموحات إلى برامج عمل قابلة للتنفيذ.
ومع اقتراب موعد الحوار الوطني المرتقب، تتجه أنظار الموريتانيين إلى هذا الاستحقاق بوصفه فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة بين مختلف الفاعلين، وترسيخ ثقافة التشاور، وصياغة رؤية وطنية جامعة تستوعب الجميع، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
إن الحوار الذي يطمح إلى صناعة المستقبل لا يجوز أن يختزل نفسه في عناوين محدودة أو ملفات منتقاة، بل ينبغي أن يفتح أبوابه أمام جميع القضايا الوطنية دون استثناء، لأن الأوطان لا تُبنى بمنطق التجزئة، ولا تُدار بسياسة تأجيل المشكلات، وإنما تُبنى بالمصارحة، وتُحصَّن بالشجاعة في مواجهة التحديات.
فالإصلاح السياسي، والحكامة الرشيدة، وتعزيز دولة القانون، واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وتطوير الإدارة، وإصلاح منظومتي التعليم والصحة، وخلق فرص العمل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وترسيخ الوحدة الوطنية، وحسن استغلال الثروات الطبيعية، والتنمية المتوازنة بين مختلف الولايات... كلها قضايا متشابكة، لا يمكن فصل بعضها عن بعض، ولا يمكن تحقيق نهضة حقيقية بإغفال أي منها.
ولعل من أهم ما ينبغي أن يميز هذا الحوار أن يكون حوارًا للمواطن قبل أن يكون حوارًا للنخب، وأن يعكس تطلعات المجتمع بكل فئاته، بعيدًا عن الإقصاء أو الاحتكار. فكل صوت وطني مسؤول يمثل إضافة إلى النقاش، وكل رأي مخلص يسهم في بناء حلول أكثر نضجًا واتزانًا.
كما أن نجاح الحوار لن يتحقق إلا إذا اقترن بصدق النيات، وتوفرت له الضمانات الكفيلة بتحويل مخرجاته إلى التزامات عملية، لأن الشعوب لم تعد تكتفي بالوعود، بل تنتظر إصلاحات ملموسة تنعكس على واقعها المعيشي، وتعزز ثقتها في مؤسسات الدولة.
إن موريتانيا تمتلك من المقومات البشرية والطبيعية ما يؤهلها لتحقيق نهضة تنموية شاملة، غير أن استثمار هذه المقومات يقتضي ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز التوافق الوطني، وإعلاء شأن المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة، فالأوطان تزدهر عندما يلتقي أبناؤها على كلمة سواء، ويجعلون من الاختلاف مصدرًا للإثراء لا سببًا للفرقة.
وفي نهاية المطاف، يبقى الحوار الوطني المرتقب امتحانًا للإرادة السياسية، واختبارًا لنضج الطبقة السياسية، وفرصة لا ينبغي التفريط فيها. فإذا كان شاملًا، وصريحًا، وجادًا، وانتهى إلى إصلاحات حقيقية، فإنه سيشكل نقطة تحول في مسيرة موريتانيا نحو مزيد من الاستقرار والتنمية والازدهار. أما إذا اكتفى بالشعارات أو عالج بعض الملفات وأغفل أخرى، فسيظل أثره محدودًا، وستبقى القضايا المؤجلة تبحث عن موعد جديد مع الحل.
إن الوطن أكبر من الجميع، ومستقبله يستحق أن توضع جميع قضاياه على طاولة الحوار، بكل مسؤولية، وشفافية، وإخلاص، حتى يخرج الموريتانيون برؤية وطنية جامعة تؤسس لمرحلة جديدة من البناء والإصلاح والتنمية المستدامة.
محمد الأمين/ امحمد لديك
