أصبحت الأزمات جزءًا لا يتجزأ من واقع يتسم بالتحولات السريعة، تسارع غذته وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أسهمت من جهتها في جعل الأزمات تنتشر بسرعة غير مسبوقة، الأمر الذي فرض تحديات مختلفة ومتفاوتة الخطورة و بالمحصلة أجبر هذا الواقع المعنيين أو أصحاب المصلحة على التفكير في كيفية إدارة أزماتهم والتواصل حولها.
في هذا السياق، يأتي كتاب "التواصل الفعال أثناء الأزمات: الانتقال من الأزمة إلى الفرصة" لمؤلفيه روبرت أولمر، وتيموثي سيلنو، وماثيو سيجر، ليقدم رؤية لا تقوم على تشخيص الأزمات أو اعتبارها مجرد أحداث سلبية يجب تجنبها أو التعافي منها بأسرع وقت، بل يتعاطى معها كفرص للتجديد والتطوير المؤسسي.
تقوم الفكرة الأساسية للكتاب على فرضية ترى أنه من الضروري استغلال الأزمة لتحقيق أربعة أهداف رئيسية، أولها التعلم من الأخطاء، لأن الأزمة عادة تكشف نقاط الضعف وتسلط الضوء على الاختلالات، وثانيها يقوم على النقل الأمين والشفاف للمعلومات أثناء الأزمات، الأمر الذي سيسهم في بناء مصداقية طويلة الأمد وثقة راسخة مع الجمهور، ويعتبر هذا النهج الأخلاقي في التواصل استراتيجية فعالة لإدارة الأزمة وتخفيف آثارها السلبية، والهدف الثالث يقوم على الحرص على عدم تفاقم الخسائر أو زيادة الأضرار والحذر من كلما من شأنه أن يضر صورة المؤسسة أكثر أثناء الأزمة، والرابع والأخير، يرى أهمية ابتكار رؤية مستقبلية جديدة تأخذ بعين الاعتبار الدروس المستفادة من الأزمة.
سلط الكتاب أيضا الضوء على ما يميز الأزمة الحقيقية عن الحوادث أو المشاكل العادية، فحدد في هذا السياق عدة خصائص تساعد على تمييزها، منها ما أطلق عليه " الأزمة المُفاجئة " والتي تحدث بشكل غير متوقع وفجائي، مما يجعل المؤسسات غير مستعدة للتعامل معها، لأن عنصر المفاجأة يخلق عادة صدمة أولية تعيق القدرة على الاستجابة الفعالة، خاصة في ظل عدم وجود خطط وآليات جاهزة للتعامل مع الطوارئ. أضاف أيضا مسألة التهديد، معتبرا أن الأزمات تشكل تهديدا حقيقيا للمؤسسات، سواء كان هذا التهديد لسمعتها، أو استمراريتها المالية، أو سلامة موظفيها وعملائها، أو حتى وجودها كمؤسسة، الأمر الذي يتطلب استجابة حاسمة وفعالة، كما يعتقد مؤلفو الكتاب أن التأخر في ردة الفعل يمكن أن يفاقم الأضرار ويزيد من حدة الأزمة، خاصة في عصر تغولت فيه وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمكن للأخبار والشائعات أن تنتشر في دقائق معدودة.
كما قسّم الكتاب الأزمات إلى فئتين رئيسيتين، الأزمات المقصودة (مثل الإرهاب، والعنف في مكان العمل، والفساد المؤسسي) والأزمات غير المقصودة (مثل الكوارث الطبيعية، والأوبئة، والحوادث)، معتبرا أن هذا التصنيف يساعد المؤسسات على فهم طبيعة التهديدات المختلفة التي قد تواجهها، وبالتالي تطوير خطط استجابة مناسبة لكل نوع.
ينصح هؤلاء الخبراء بتجنب تعمد إضفاء الغموض، محذرين من أن محاولة التلاعب بالمعلومات أو إخفاء الحقائق بنية التقليل من الأضرار غالبا ما يأتي بنتائج عكسية، مؤكدين على أهمية إظهار النوايا الحسنة والتعاطف والاهتمام، واستعرض في هذا السياق كأنموذج، أزمة عصير التفاح الملوث لشركة أودوالا، وهي شركة أمريكية اشتهرت بإنتاج العصائر الطبيعية، والتي استجابت فورا فسحبت جميع المنتجات، وفتحت قنوات تواصل مع الجمهور، وأعلنت عن تحمل المسؤولية الكاملة، هذا النهج ساعد الشركة على استعادة ثقة المستهلكين وإعادة بناء سمعتها. على النقيض، ذكر الكتاب أنموذجا آخر لما أسماه الفشل، يتعلق بأزمة بريتش بتروليوم والتي عقدتها تصريحات رئيسها التنفيذي غير المدروسة، خاصة محاولته التقليل من حجم الكارثة، ومماطلته في الإعلان عن تحمل المسؤولية الكاملة، كلها أمور أسهمت في تفاقم الأزمة وألحقت أضرارا جسيمة بسمعة الشركة.
وردت في الكتاب أيضا تنبيهات وتوصيات هامة، منها ما يتعلق بصياغة الأخبار، كونها تشكل وعي وفهم الجمهور من خلال الطريقة التي تقدم بها المعلومات، معتبرا أنه من الضروري المشاركة في صياغة السردية حول الأزمة بدلا من ترك وسائل الإعلام تحدد الإطار بمفردها.
أشار الخبراء أيضا إلى أن الطابع الأخلاقي والقيمي لا يجب أن يكون مجرد خيار استراتيجي فحسب، بل ضرورة وجودية، لأن الأزمات تكشف الطبيعة الحقيقية للقيادة والقيم المؤسسية، وأي محاولة للتظاهر بطابع أخلاقي دون التزام حقيقي سرعان ما تنكشف وتزيد من حدة الأزمة، مؤكدا على أهمية خلق بيئة مؤسسية تشجع على الصراحة والتعلم من الأخطاء دون خوف من اللوم أو العقاب.
الأزمات جزء من الواقع بأي مؤسسة، مهما كانت توجهاتها أو أهدافها، لكن طريقة الاستجابة لها هي ما يحدد ما إذا كانت ستكون نهاية أم بداية جديدة، إن المؤسسات التي تتبنى مبادئ التواصل الفعال، وتلتزم بالقيم الأخلاقية، وتتعلم باستمرار من تجاربها، يمكنها تحويل أكثر الأزمات خطورة وتعقيدا إلى فرص للتجديد والتطوير.
المصطفى ولد البو - كاتب صحفي
