الإعلام الموريتاني والحاجة إلى تطبيق نظرية الاستخدام والإشباع

في كل مرة يحل فيها شهر رمضان المبارك، يأتي حاملا معه فرصة استثنائية للإعلام الموريتاني بشقيه العمومي والخاص لإعادة بناء علاقته مع الجمهور، من خلال تقديم محتوى يجمع بين العمق والجاذبية، غير أن الإصرار على تضييع هذه الفرصة يكشف في كل مرة عن فجوة كبيرة بين هذا الطموح والممارسة الفعلية، حيث يعاني المشهد الإعلامي الموريتاني من رتابة برامجية ملحوظة، وضعف في التفاعل مع الجمهور، وعجز عن مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة التي أعادت تشكيل خريطة الاستهلاك الإعلامي عالميا، تحديات فاقمتها محدودية الموارد المالية والتقنية، وضعف البنية التحتية الإعلامية، وغياب استراتيجيات واضحة للتطوير والابتكار.
لقد شهد العقد الأخير تحولات جذرية في أنماط الاستهلاك الإعلامي، حيث انتقل الجمهور من الإعلام التقليدي (التلفزيون والراديو) إلى المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، تحولات تفرض على الإعلام الموريتاني تبني خيار الرقمنة والابتكارات التقنية، وهو تفضيل يعتمد على عدة عوامل منها مصداقية المصادر، وملاءمة المواضيع، وأساليب التواصل التفاعلية، والقدرة على الوصول إلى المحتوى في أي وقت ومن أي مكان، واقع يستدعي من الإعلام الموريتاني أيضا إعادة النظر في استراتيجياته، والانتقال من أنموذج البث الأحادي إلى أنموذج التفاعل الرقمي المتعدد الاتجاهات، فالجمهور لم يعد يريد أن يستمع فقط بل يريد أن يُسمَع وأن يكون جزء من أي عملية إعلامية.
 

وفي هذا الصدد من المهم تطبيق نظرية "الاستخدام والإشباع" Uses And Gratifications Theory والتي اعتمد عليها باحثون منذ أربعينيات القرن العشرين من أجل دراسة استهلاك الأفراد لوسائل الإعلام وهي الأهم في مجال الاتصال الجماهيري بشكل خاص، فتحديد دوافع الجمهور في استهلاك المحتوى الإعلامي له دور كبير في فهمه وإخراجه من متاهة المتلقي السلبي التي لبث فيها فترة طويلة ومازال، فالجمهور يجب أن يكون فاعلا نشطا يختار المحتوى الذي يلبي احتياجاته النفسية والاجتماعية والروحية، وفي السياق الرمضاني، يبحث الجمهور عن محتوى يشبع حاجته إلى المعرفة الدينية، والترفيه الهادف، والتواصل الاجتماعي، لذا فإن نجاح الإعلام الموريتاني في بناء علاقة قوية وتفاعلية مع الجمهور  يتوقف على قدرته على فهم هذه الاحتياجات المختلفة، وتقديم محتوى متنوع يلبيها كلها بطرق مبتكرة، خاصة مع استمراره في دوامة من الرتابة البرامجية، حيث تتكرر نفس الأنماط والأشكال البرامجية عاما بعد عام دون تجديد يُذكر و دون أن تقدم محتوى يجمع بين العمق المعرفي والجاذبية الفنية. هذا النمط الأحادي يؤدي إلى ملل الجمهور وعزوفه عن متابعة البرامج، خاصة في ظل المنافسة الشديدة من القنوات الفضائية العربية والمنصات الرقمية العالمية والتي يُلاحظ تفاعل جزء كبير من الجمهور الموريتاني مع موادها الإعلامية.
 

تشير أهم الدراسات في مجال الاتصال الجماهيري إلى أن التنويع في المحتوى هو أحد أهم عوامل جذب الجمهور وكسر الرتابة، وفي عصر الإعلام الرقمي، يسعى الجمهور غالبا إلى المشاركة والتفاعل والتعبير عن آرائه وتجاربه، غير أن الإعلام الموريتاني التقليدي لا يزال يعتمد على أنموذج البث الأحادي الذي لا يتيح للجمهور فرصة التفاعل أو المشاركة، مما يحد من قدرة الإعلام على بناء علاقة حقيقية مع الجمهور، في المقابل تؤكد الدراسات أن التفاعل ثنائي الاتجاه بين المنتجين والجمهور يزيد من مشاركة الجمهور ويعزز الشعور بالانتماء والمسؤولية المشتركة وبالتالي فإن تطوير آليات فعالة للتفاعل مع الجمهور يجب أن يكون أولوية استراتيجية، فقبل أن ننتج برنامجا يجب أن نسأل ونبحث ونحدد الجمهور المستهدف ونستشرف انطباعاته مسبقا ونخلق قنوات اتصال معه، ولكي نكون موضوعيين أيضا ولا نلقي باللوم الكامل على هذا الإعلام، فإنه من المهم الإشارة إلى وجود محدودية في الموارد المالية والبشرية، مما يحد من القدرة  على إنتاج محتوى عالي الجودة وتنافسي، فالإنتاج الإعلامي الاحترافي يتطلب استثمارات كبيرة في المعدات والكوادر المدربة، والبحث والتطوير، وهو ما لا تتوفر عليه معظم المؤسسات الإعلامية الموريتانية. هذا الضعف في الموارد يؤدي إلى ضعف في جودة الإنتاج، وعدم القدرة على المنافسة.
 

لم يعد الخبراء والباحثون يطرحون السؤال التقليدي "ماذا تفعل وسائل الإعلام بالناس؟" وإنما انتقلوا إلى منظور جديد يقوم على السؤال " ماذا يفعل الناس بوسائل الإعلام؟" معتبرين أن دراسة الجمهور أولوية وأن التفاعلية هي المصدر الرئيسي لإشباع رغباته. إذن الإشكالية هنا تتعلق بوجود فجوة كبيرة بين الإعلام وجمهوره، فالأول يعمل معصوب العينين دون أن يشعر بذلك حتى وإن كان يعتقد العكس، الأمر الذي يعني غياب أي فهم أو اطلاع على رغبات وتطلعات جمهوره.
 

ومن أجل تطبيق نظرية الاستخدام والإشباع على الحالة الموريتانية، يجب أولا إجراء بحوث منهجية لفهم دوافع الجمهور الموريتاني ورغباته، هذه البحوث أو الدراسات يجب أن تستخدم أدوات بحثية متنوعة، مثل الاستبيانات، والمقابلات المعمقة، ومجموعات النقاش المركزة، وتحليل سلوك المستخدمين على المنصات الرقمية  User Behavior Analysisالمعروف اختصار بــ UBA والذي يعتبر من العوامل الحاسمة والأساسية في هذه العملية، كما يجب التركيز على إيجاد إجابات للأسئلة التالية .....ما هي الحاجة أو الرغبة النفسية والاجتماعية والمعرفية التي يسعى الجمهور الموريتاني إلى إشباعها من خلال استخدام وسائل الإعلام؟ ما هي الوسائل الإعلامية المفضلة لدى فئات الجمهور المختلفة (الشباب، النساء، سكان المدن، سكان الأرياف، إلخ)؟ ما هي العوامل التي تؤثر على رضا الجمهور عن المحتوى الإعلامي من عدمه؟ بعدها يأتي الدور على تصميم أو خلق محتوى إعلامي مناسب من منطلق أو فلسفة جديدة لا تركز هذه المرة على ما يريد الإعلام قوله كما جرت العادة، وإنما على ما يريد الجمهور سماعه.
في الكويت، تم القيام بدراسة على جمهور قناة الجزيرة في البلاد، ما الذي يشدهم إلى متابعة هذه القناة وما هي مآخذهم عليها، و من خلال الدراسة توصل القائمون على المشهد الإعلامي إلى ضرورة تنفيذ مجموعة من التوصيات مرتبطة أساسا بمبادئ هذه النظرية من أجل بناء علاقة متميزة مع الجمهور أساسها الصدق والتفاعلية، وفي قطر، ظهر أحمد الفاخوري مقدم برنامج شبكات وهو يحتفل في مقطع بتجاوز عتبة مشاهداته الملياري مشاهدة، قد يبدو مجرد احتفال أو شكر للجمهور في ظاهره لكنه في الحقيقة تطبيق لجزء آخر من هذه النظرية من خلال التواصل مع الجمهور الذي كان ينتظر هذا الاحتفال حتى يشعر بأنه فعلا جزء من صناعة هذا المحتوى وليس مستمعا فقط وهو "أشبعه" ذلك المقطع الذي أُنتج خصيصا لهذا الأمر.
أخيرا، دراسة الجمهور ليست رفاهية أكاديمية وإنما حتمية مهنية وأخلاقية تفرضها التحولات المتسارعة التي شهدها ويشهدها الإعلام وقد حان الوقت ليجلس المديرون أو المسيرون ويطرحوا الأسئلة آنفة الذكر ضمن ورشة عملية تكون مخرجاتها بمثابة قطيعة مع الأحادية وتؤسس لظهور إعلام أكثر قدرة على تلبية تطلعات المجتمع ومساهمة في التنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز الحوار الوطني والتماسك الاجتماعي.

 

المصطفى ولد البو كاتب صحفي