"لغن" من قمقم التقديس اللاواعي إلى فضاء النقد الخلاق/الولي سيدي هيبه

يكون الشعر، فصيحا أو لهجيا، ملتزماً عندما يتبنى الشاعر قضايا أمته وشعبه الاجتماعية والسياسية (كالتحرر، الفقر، والعدالة) ويجعل شعره وسيلة للدفاع عنها، محولا كلماته إلى أداة للتغيير والتوعية بدلا من التخدير بالتعبير عن المشاعر المائعة المجترة، حيث ينظر للالتزام كرسالة إنسانية هادفة تصاحب مراحل التطور

لطالما شكل "الموزون" أو "لغن" علامة فارقة في الثقافة الحسانية عموما، إذ حفظ الذاكرة الجمعية، ورسم ملامح الأخلاق، وقرب معاني الشريعة، وساهم بأسلوبه الخاص في صيانة الذائقة العربية، وإبقاء صلتها حية بعلوم القرآن واللغة.

لم يكن "لغن" مجرد تعبير فني عابر، بل كان مدرسة للتربية والوعي، ووسيلة لتداول الحكمة في مجتمع شفهي بامتياز.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو بالتأكيد هل يظل هذا الشعر حارسا للماضي فقط، أم يصبح شريكا في صنع الحاضر والمستقبل؟

إن المعضلة لا تكمن في "لغن" ذاته، بل في حدود ما يطلب منه. فحين ينغلق على قوالبه التقليدية، ويعيد إنتاج الموضوعات والصور نفسها، يتحول -عن غير قصد- إلى صدى لعصر تجاوزه الواقع. وأما حين ينفتح على تحولات المجتمع، ويستوعب أسئلة الإنسان المعاصر، فإنه يستعيد وظيفته الأصلية التي هي التعبير الحي عن الناس في زمانهم.

ليس المطلوب من الشعر اللهجي أن يتخلى عن روحه أو مرجعيته، بل أن يجدد أدواته ورؤاه وأن ينتقل من تمجيد الموروث إلى مساءلته، ومن وصف الواقع إلى نقده، ومن اجترار الصور إلى ابتكارها. فالثقافة الكونية اليوم ليست خطرا يخشى، بل أفقا يحاور، يأخذ منه الشاعر ما يثري تجربته، ويسهم فيه بما يميز بيئته.

بالتالي، فإن تحديث "لغن" لا يعني القطيعة مع الماضي، بل إعادة قراءته بوعي جديد، ولا يعني الذوبان في الآخر، بل الحضور في العالم بصوت أصيل. فالإبداع الحقيقي هو ذاك الذي يوازن بين الجذور والآفاق ليستمد قوته من الهوية، ويكتسب راهنيته من قدرته على التجدد.

لذلك، آن لهذا الشعر أن يخرج من قمقم التقديس اللاواعي إلى فضاء النقد الخلاق، وأن يظل وفيا لقيمه، لكن بجرأة أكثر في طرح الأسئلة، انخراط أوسع في قضايا الإنسان المعاصر. وحينها فقط، لن يكون مجرد شاهد على الماضي، بل فاعلا في تشكيل الوعي، ومساهما في بناء ثقافة تتفاعل مع العالم وتأخذ مكانها اللائق.

ولنا في الشاعر الكبير ولعله الشيخ ولد مكي الأسوة حين تجرا على نفسه فقال :

عت امكلل فالملاهي

اعت امل كاف انكول

يغلبن كول لله

بعد القوة والحول