كيف تصنع أمراض القلوب تخلف الأمم/الولي سيدي هيبه

.. لا تصنع الأمم مجدها بالحنين إلى أساطير الماضي ولا بالشعارات الجوفاء، بل بامتلاك الشجاعة الأخلاقية لمواجهة عيوبها، وتحويل النقد الذاتي إلى مشروع وعي وإصلاح جذري ..

ليست أمراض القلوب، في معناها القرآني العميق، مجرد نزوات أخلاقية عابرة أو علل فردية محدودة، بل هي انحرافات باطنية تتسرب إلى الوعي الجمعي، فتتحول إلى بنية ذهنية وثقافة اجتماعية كاملة، تعيد تشكيل نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى الآخر وإلى معنى القوة والكرامة والحق. وحين تترسخ هذه الأمراض في مجتمع ما، لا تبقى عيوبا نفسية فقط، بل تصبح منظومة خفية تنتج التخلف، وتعيد تدوير الانتكاسات النفسية والاجتماعية، وتمنح الانحطاط شرعية رمزية وأخلاقية وهمية.

فالقرآن، حين تحدث عن أمراض القلوب، لم يقصد مجرد الضعف الإيماني الفردي، بل أشار إلى علل حضارية خطيرة، أبرزها الكبر والحسد والنفاق والعصبية وحب الهيمنة وعمى البصيرة واتباع الهوى. وهي كلها أمراض لا تفسد الضمير وحده، بل تفسد العمران أيضا، لأن القلب في الرؤية القرآنية ليس عضوا عاطفيا فحسب، بل مركز الإدراك والتوجيه الأخلاقي "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور". وحين يعمى القلب، يفقد الإنسان القدرة على رؤية الحقيقة، فيستبدل الواقع بالوهم، والنقد بالتبرير، والعمل بادعاء التفوق الرمزي.

وأما في علم النفس الاجتماعي، فكثيرا ما تلجأ الجماعات المأزومة، تحت ضغط الفشل التاريخي والعجز الحضاري، إلى ما يشبه "التعويض النفسي الجماعي"، حيث يضخم الماضي وتمجد الأنساب والرموز والشعارات، هربا من مواجهة الأسئلة المؤلمة حول الإنتاج والمعرفة والعدالة والتنظيم. وهنا تنشأ ثقافة مرضية تجعل الانتماء بديلا عن الاستحقاق، والمكانة الموروثة بديلا عن القيمة المكتسبة، والبلاغة بديلا عن الإنجاز.

لا تكتفي بعض المجتمعات المتأخرة بالعجز، بل تعمل ـ من حيث لا تشعر ـ على تحويله إلى فضيلة رمزية، فتتشكل مع الزمن حالة من "التصالح النفسي مع التخلف"، حيث يصبح احتقار العمل المنتج، خصوصا اليدوي أو الصناعي، جزء من اللاوعي الثقافي، وكأن الكرامة تقاس بالظهور الاجتماعي لا بالفعل النافع. وتلك من أخطر صور الانفصال بين القيم القرآنية المؤسسة على الاستخلاف والعمل والإعمار، وبين البنية الذهنية التي تمجد الاستهلاك والوجاهة والتراتبية الجامدة.

وفي هذا المناخ، تتحول الهيمنة الاجتماعية والظلم التاريخي إلى بطولات أسطورية يعاد إنتاجها تربويا ورمزيا، فينشأ الفرد وهو يتشرب ـ دون وعي ـ تمجيد القوة لا العدالة، والخضوع للتراتبية لا الاحتكام إلى الكفاءة. وحتى حين ترتفع الشعارات ضد الظلم، تظل البنية العميقة للعلاقات الاجتماعية محافظة على آليات الإقصاء نفسها، لكن بأقنعة جديدة أكثر نعومة وخداعا. وهكذا يتكرس الانفصام بين الخطاب والممارسة، بين المثال المعلن والسلوك الفعلي.

وإن المجتمع الموريتاني، رغم ما يمتلكه من رصيد حضاري وثروات طبيعية وموقع جيوسياسي مهم، لا يزال يعاني بدرجات متفاوتة من آثار هذه البنية النفسية والاجتماعية المعقدة. فجزء معتبر من التعثر التنموي لا يرتبط فقط بندرة الإمكانات، بل بثقافة اجتماعية لم تحسم بعد علاقتها مع قيم الدولة الحديثة، ولا تزال تتأرجح بين منطق المؤسسات ومنطق العصبيات، بين ثقافة الاستحقاق وثقافة الامتياز الرمزي. ولهذا، كثيرا ما تتحول الثروة إلى مجال للنهب والتبذير بدل أن تكون رافعة للعدالة والتنمية.

إن أخطر "إشكال الفقر" ليس فقر المال، بل فقر الوعي القيمي، حين يصبح الظلم مألوفا، والفساد مقبولا بالتدريج، والكفاءة مدعاة للريبة، والإصلاح تهديدا للمصالح الضيقة. عندها يفقد المجتمع مناعته الأخلاقية، ويصبح النقد خيانة، والتملق بديلا عن الصراحة، والولاء بديلا عن الكفاءة.

إن النهضة الحقيقية لا تبدأ من الإسمنت والطرقات وحدها، بل من إعادة بناء الإنسان من الداخل، من تحرير القلب من أمراض الكبر والاتكالية والحسد وتمجيد الوهم حيث أن القرآن جعل إصلاح الباطن شرا لإصلاح الواقع "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، أي أن التحول الحضاري يبدأ أولا بتحرير الوعي من الاستسلام النفسي ومن ثقافة التبرير الجماعي للهزيمة.

إن الأمم التي تصنع مجدها ليست تلك التي تفرط في التغني بأساطير الماضي، بل تلك التي تمتلك شجاعة الاعتراف بعيوبها، وتحويل النقد الذاتي إلى وعي أخلاقي ومشروع إصلاح تاريخي، لأن المجتمعات التي تخاف مواجهة أمراضها الداخلية تظل أسيرة دورة مغلقة من إعادة إنتاج الفشل والإحباط والتخبط، مهما رفعت من شعارات أو استحضرت من أمجاد.

ويتضح من هنا أن معركة النهضة في جوهرها ليست اقتصادية أو سياسية فحسب، بل هي ـ قبل ذلك ـ معركة أخلاقية ونفسية وثقافية ضد أمراض القلوب حين تتحول إلى عقل جمعي، وضد الهزيمة حين تتخفى في هيئة أسطورة، وضد الوهم حين يلبس لباس المجد.