كيف يغيب الوعي في مجتمع توسع فيه التعليم وتكاثرت الشهادات، ليظل العقل بعيدا عن روح العصر؟
أين مكان المثقفين، من أهل المنكب البرزخي القصي، اليوم في العالم الذي أصبح قرية واحدة؟ وكيف يظلون جامدين على أطراف الصحراء الكبرى وقد حفظت لهم ذاكرة فأهملوا فيها البناء ولم يحددوا، في خضم العولمة، ملامح واقع يحدد اتجاههم إلى البقاء بأدوات الحداثة؟
أين موقع أهل تلك الحضارات التي أبهرت روعة ماضيها العالم، لم ترتعش أمام تحديات الزمن، لم تتوقف عند حدود، أو تسمح لنزوات الزهو والاستعلاء أن تمحو منجزاتها وتقوض مسارها؟
فمن وادي السند إلى وادي النيل، ومن جبال الأنكا إلى مدن المايا، ومن اليابان إلى بغداد والأندلس، تركت شعوبها من الماضي بصمات محيرة، ليس في كثافة الكلام أو بارق المظاهر، بل في عبقرية البناء الناطق في صمت، واحترام العقل في تواضع الإنسان أمام المعرفة والعمل لفائدة الحاضر الذي تحمل لواءها أجيال مبدعة تصرف في الحاضر حراكها وتجعله مستقبل قادم أجيابها.
وكذلك حضارات إفريقيا، القارة التي تحتضننا: تمبكتو، ومالي، وغانا، وأكسوم، وكانم–بورنو، والنوبة؛ أمم قضت قرونا في التنظيم والنظام، وبنت مدارس ومعاهد، ومدت طرقا تجارية وثقافية، وعاشت بلا تبجح، وأبدعت دون ضجيج وما زالت تتميز. إنها حضارات أعطت التاريخ علما وقيما دون أن تلوثه بالصخب والشعارات الجوفاء.
أما أهل موريتانيا، الذين يمتلكون إرثا معرفيا وإنسانيا لا يستهان به تنطق به المحظرة، والشعر، وحكمة البداوة، وصلابة الصحراء، وتنوع ثقافي واجتماعي فريد، وموقع جغرافي يستحق أن يكون مركزا لا هامشا، فإنهم لا يعملون على تحويل هذا الرصيد الكامن إلى مشروع حضاري حقيقي، لأنهم كثيرا ما يكتبون تاريخهم كما يحبون لا كما كانوا؛ يزينونه بما يعجبهم، ويخفون ما يحرجهم، ويسخروه لمطايا النزوات وفتات المكاسب.
وها هم اليوم على أعتاب نسخة جديدة من مهرجان المدن القديمة، وما زالوا غير مدركين لضرورة كتابة التاريخ بموضوعية وأهمية أن :
- يقرأ الماضي ليتم فهمه، لا للتجمل.
- تستخلص منه العبرة لا تقام الدعاوى.
ـ محاسبة الذات، لا إلبسها هالة زائفة.
وإن كتابة التاريخ هي كذلك مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون ثقافية لأنها:
ـ تحرر العقل من الزهو والاستعلاء،
ـ تضع الإنسان والمجتمع في صلب التحليل،
ـ تمنح كل حدث سياقه الصحيح،
ـ تعيد ترتيب ما أنجزناه وما أخفقنا فيه،
ـ تكشف لنا الطريق إلى البناء لا مجرد الاحتفاء بالماضي.
غير أن الأسئلة الأكثر إلحاحا اليوم تبقى مجتمعة:
- كيف يغيب الوعي في مجتمع توسع فيه التعليم وتكاثرت الشهادات، فيما ظل العقل بعيدا عن روح العصر؟
ـ كيف يفسر هذا الإسراف في التدريس دون محاربة الشح في التفكير؟
ـ كيف يظل الفرد متحصنا داخل شرنقة الماضي، يقتات على الأسطورة، ويرتهن للتراتبية الاجتماعية، ويلجأ إلى الخرافة بدل السؤال، وينبذ الجهد بدل الإبداع؟
إن التعليم الذي لا يحرر العقل من الوهم، ولا يزرع فيه مسؤولية الفعل، يتحول إلى مجرد ديكور معرفي؛ شهادات تعلق على الجدران وعلى العمائم لنيل الوظائف الوثيرة التي تفتح الباب على مصرعيه للنهب والفساد والرشوة والمحسوبية والزبونية والإبقاء على قوالب "اللادولة السيباتية"، ولا تحدث في الوطن أثرا على واقع التخلف. وما لم يحصل التنقل من المعرفة النظرية إلى الوعي العملي البناء، ومن تقديس الماضي إلى نقده وفهمه واستثماره، سيظل تكرار إنتاج نفس العوائق التاريخية وتهدر فرص التلاحم مع عصر لا يعترف إلا بالابتكار والعمل.
فالنهضة لا تولدها الشعارات، ولا يصنعها الماضي وحده، بل يحققها قرار جريء يفرض الكف عن النظر إلى الذات في مرآة الآخرين، وأن يباشر أخيرا بكتابة ما يراد أن يكون عليه البلد ـ بصدق، بلا زهو، وبلا استعلاء.
وهكذا فقط يتحول التاريخ من سجل للأجداد إلى قوة تنير المستقبل، ومن ماض جامد إلى مشروع حضاري حي يمنح الأمة القدرة على استثمار إرثها، وإعادة صياغته بوعي، وبصيرة، وعقل يليق بتحدّيات الزمن.
أين مكان أهل المنكب البرزخي القصي اليوم في عالم أصبح قرية واحدة؟ وكيف يظلون جامدين على أطراف صحرائه الكبرى وقد حفظت لهم ذاكرة غنية، لكنهم أهملوا البناء فيها، ولم يحددوا في خضم العولمة ملامح واقع يوجههم إلى البقاء بأدوات الحداثة؟ أين موقعهم من تلك الحضارات التي أبهرت العالم بروعة ماضيها، لم ترتعش أمام تحديات الزمن، لم تتوقف عند حدود، ولم تسمح لنزوات الزهو والاستعلاء أن تمحو منجزاتها أو تقوض مسارها؟
من وادي السند إلى وادي النيل، ومن جبال الأنكا إلى مدن المايا، ومن اليابان إلى بغداد والأندلس وتركيا والصين، ومن روما إلى أثينا، تركت الشعوب بصمات محيرة؛ ليست في كثافة الكلام أو بريق المظاهر، بل في عبقرية البناء الناطق بصمت، في احترام العقل، في تواضع الإنسان أمام المعرفة، وفي العمل الدؤوب لصالح الحاضر الذي ظلت تحمل لواءه أجيال مبدعة تصيغ به حاضرها وتجعلته مستقبل أجيالها.
وهكذا كانت حضارات إفريقيا التي تحتضنها تمبكتو، ومالي، وغانا، وأكسوم، وكانم بورنو، والنوبة؛ أمم عاشت قرونا في التنظيم والنظام، وبنت المدارس والمعاهد، ومدت طرقا تجارية وثقافية، عاشت بلا تبجح، وأبدعت دون ضجيج، وما زالت بإرثها تتميز. إنها حضارات منحت التاريخ علما وقيما دون أن تلوثه بالصخب أو الشعارات الجوفاء.
ويملك أهل موريتانيا إرثا معرفيا وإنسانيا لا يستهان به؛ تنطق به المحظرة، والشعر، وحكمة البداوة، وصلابة الصحراء، وتنوع ثقافي واجتماعي فريد، وموقع جغرافي يستحق أن يكون مركزا لا هامشا. ومع ذلك، يظل هذا الرصيد كامنا، لم يتحول إلى مشروع حضاري حقيقي. فعادة ما يكتبون تاريخهم كما يحبون لا كما كانوا؛ يزينونه بما يعجبهم، ويخفون ما يحرجهم، ويسخرونه لمطايا النزوات وفتات المكاسب.
وها هم اليوم على أعتاب نسخة جديدة من مهرجان المدن القديمة، وما زالوا غير مدركين ضرورة كتابة التاريخ بموضوعية، وأهمية أن يقرأ الماضي ليفهم لا ليتجمل، وأن تستخلص منه العبرة لا أن تقام به الدعاوى، وأن تحاسب الذات لا أن تلبس هالة زائفة. فكتابة التاريخ مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون ثقافية، لأنها تحرر العقل من الزهو والاستعلاء، وتضع الإنسان والمجتمع في صلب التحليل، وتمنح كل حدث سياقه الصحيح، وتعيد ترتيب ما ينجز لا ما تم الاخفاق فيه، وتمهد الطريق إلى البناء لا مجرد الاحتفاء بالماضي.
غير أن هناك أسئلة ملحة اليوم تتطلب إجابات واعية وعلمية على رأسها بالطبع: كيف يغيب الوعي في مجتمع توسع فيه التعليم وتكاثرت الشهادات، فيما ظل العقل بعيدا عن روح العصر؟ وكيف نفسر هذا الإسراف في التدريس دون محاربة الشح في التفكير؟ وكيف يظل الفرد متحصنا داخل شرنقة الماضي، يقتات على الأسطورة، ويرتهن للتراتبية الاجتماعية، ويلجأ إلى الخرافة بدل السؤال، وينبذ الجهد بدل الإبداع؟
إن التعليم الذي لا يحرر العقل من الوهم، ولا يزرع فيه مسؤولية الفعل، يتحول إلى مجرد ديكور معرفي؛ شهادات تعلق على الجدران أو العمائم لنيل الوظائف الوثيرة التي تفتح الباب على النهب للفساد والرشوة والمحسوبية والزبونية، وتبقي قوالب اللادولة السيباتية، ولا تحدث في الوطن أثرا يليق بحجم التخلف. وما لم يحصل الانتقال من المعرفة النظرية إلى الوعي العملي البناء، ومن تقديس الماضي إلى نقده وفهمه واستثماره، سيستمر تكرار إنتاج العوائق التاريخية، وتُهدر فرص التلاحم مع عصر لا يعترف إلا بالابتكار والعمل.
فالنهضة لا تولدها الشعارات، ولا يصنعها الماضي وحده، بل يحققها قرار جريء يفرض التوقف عن النظر إلى الذات في مرآة الآخرين، ويبدأ بكتابة ما يراد أن يكون عليه البلد بصدق، بلا زهو، وبلا استعلاء. وهكذا فقط يتحول التاريخ من سجل للأجداد إلى قوة تنير المستقبل، ومن ماض جامد إلى مشروع حضاري حي يمنح الأمة القدرة على استثمار إرثها وإعادة صياغته بوعي وبصيرة وعقل يليق بتحديات الزمن.
