دراكولا الحقيقي: فلاد المخوزِق من رهينة في البلاط العثماني إلى أسطورة رعب عالمية

لم تكن شخصية “دراكولا” التي اشتهرت في الأدب والسينما مجرد نتاج خيال، بل تعود جذورها إلى شخصية تاريخية حقيقية هي الأمير فلاد الثالث، المعروف باسم فلاد تيبيش (المخوزِق)، حاكم إمارة ولاخيا الواقعة جنوب رومانيا الحالية خلال القرن الخامس عشر، وأحد أكثر حكام أوروبا الشرقية إثارة للجدل.


وُلد فلاد عام 1431، وهو ابن الأمير فلاد الثاني دراكول، الذي استمد لقبه من عضويته في تنظيم “التنين”. وفي إطار الصراع السياسي بين ولاخيا والدولة العثمانية، أُرسل فلاد رفقة شقيقه رادو في سن مبكرة إلى البلاط العثماني كرهينتين سياسيتين، حيث أقاما عدة سنوات وتلقيا تعليمًا عسكريًا وإداريًا، وهي مرحلة تركت أثرًا عميقًا في شخصيته.
وعقب عودته وتوليه الحكم، انتهج فلاد سياسة صارمة لتثبيت سلطته داخليًا، فواجه النبلاء المعارضين بقبضة من حديد، واشتهر باستخدامه المفرط لعقوبة الخازوق، التي تحولت إلى رمز لحكمه القاسي. وعلى الصعيد الخارجي، رفض فلاد دفع الجزية المفروضة للدولة العثمانية، وشن هجمات عنيفة على مواقعها العسكرية على ضفاف نهر الدانوب، ما أدى إلى تصعيد خطير في العلاقات بين الطرفين.


وفي عام 1462، قاد السلطان العثماني محمد الفاتح حملة عسكرية كبيرة ضد فلاد، وخلال تقدم الجيش العثماني صُدم الجنود بمشاهد مرعبة لآلاف الجثث المخوزقة، في محاولة من فلاد لبث الرعب في صفوف خصومه. ورغم ذلك، انتهت الحملة بإضعافه سياسيًا وعسكريًا، ليُستبدل بشقيقه رادو الوسيم، الذي كان أكثر قربًا وولاءً للدولة العثمانية.


وقُتل فلاد المخوزِق عام 1476 في معركة لا تزال تفاصيلها محل خلاف بين المؤرخين، حيث تشير روايات إلى مقتله على يد خصوم محليين أو خلال اشتباك مع القوات العثمانية، فيما أُرسل رأسه إلى إسطنبول كدليل على وفاته.


وكان فلاد الثالث، المعروف تاريخيًا بلقب “المخوزِق”، يتعامل مع ضحاياه بقدرٍ بالغ من القسوة والترهيب، إذ اشتهر باستخدام الخازوق وسيلةً للإعدام العلني، حيث تُغرس أوتاد خشبية طويلة في أجساد الضحايا وتُترك لساعات أو أيام حتى الموت، في مشاهد كان يقصد بها بثّ الرعب في نفوس خصومه. ولم تقتصر هذه الممارسات على الجنود الأسرى، بل طالت اللصوص والمتمردين وحتى بعض المدنيين الذين اتُّهموا بالخيانة أو العصيان. وقد اعتمد فلاد هذا الأسلوب الدموي كأداةٍ سياسية وعسكرية لفرض النظام وإرسال رسائل ردع صارمة لأعدائه، خصوصًا في مواجهة التوسع العثماني، ما جعله واحدًا من أكثر حكّام أوروبا الشرقية إثارةً للجدل والرعب في القرن الخامس عشر.

وبعد قرون من موته، استعاد الأدب الغربي اسمه وسمعته الدموية، ليحوّله الكاتب الإيرلندي برام ستوكر في روايته الصادرة عام 1897 إلى شخصية “دراكولا” مصاص الدماء، لتنتقل قصة حاكم دموي من صفحات التاريخ إلى واحدة من أشهر أساطير الرعب في العالم، مع اختلاف كبير بين الحقيقة التاريخية والخيال الأدبي