سباق الإنسان في زمنٍ متسارع / جمال اباه

يتسابق الإنسان اليوم مع الوقت والظروف، ساعيًا لتلبية احتياجاته وتحقيق قدرٍ من الأمان والرفاهية. وقد تسارعت وتيرة الحياة إلى حدٍّ بات يُجبر حتى من لا يرغب في هذا السباق على الانخراط فيه، خوفًا من أن يجد نفسه على الهامش، عاجزًا عن مواكبة متطلبات العصر أو حتى امتلاك ضرورياته.

يرى البعض أن هذا التسارع ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل نتيجة لتفاعلنا داخل منظومة كونية مترابطة، لا تزال الكثير من أسرارها غامضة، نظرًا لاختلاف زوايا إدراكنا ومحدودية مقاييسنا مقارنة باتساع هذا الكون. وفي خضم هذا التداخل بين العلم والفراغ، وبين الفكر وتأثيره العميق في محيطنا، تتشكل حالة من الضبابية التي قد تتجاوز في أثرها ما نتصور.

وعند التأمل في مفهوم الفناء أو الرحيل عن هذه الدنيا، تتلاشى أهمية كثير من هذه الانشغالات، إذ تفقد معناها أمام حتمية الزوال. وقد يقود هذا الإدراك الإنسان، دون وعي، إلى نوع من الزهد، غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في جوهر الفكرة، بل في كيفية فهمها وتأويلها، كلٌّ بحسب بصيرته ونوره الداخلي.

وفي نهاية المطاف، تبقى النتائج هي جوهر المسألة؛ فلا المتسارع قادر على حسم السباق لصالحه، ولا من اختار التباطؤ أو البقاء خارج الركب يستطيع الجزم بأنه خاسر. فالتقلبات التي تصنعها ذبذبات الكون تحمل معها حظوظًا ونتائج لا تُفرّق بين مسرعٍ ومتمهل، إذ إن الأرزاق لا تنحصر فيما نصنعه بأيدينا أو ندركه ضمن حدود واقعنا، بل تأتي أحيانًا من خارج دوائرنا، ومن مساحات لا نراها ولا نحسب حسابها.

وهكذا، يظل الإنسان بين سعيه وإيمانه، بين ما يخطط له وما يُقدَّر له، في توازنٍ دقيق لا تحكمه السرعة وحدها، ولا يختزله التباطؤ، بل تصوغه أسرار أوسع من إدراكه، وتمنحه في النهاية ما كُتب له، لا ما ظن أنه يستحقه فقط.