لا تجدي مقاومة هيمنة اللغة الأجنبية برفضها أو معاداتها، بل بتمكين العربية من امتلاك أدوات القوة نفسها التي حققت لتلك اللغات حضورها وهيمنتها، عبر تعليم عصري عالي الجودة، ومصطلحات علمية دقيقة متجددة، وحركة ترجمة نشطة، وإدارة تعتمدها في معاملاتها، ومؤسسات أكاديمية وبحثية تنتج بها المعرفة وتطورها وتنشرها. فلن تستعيد العربية مكانتها بمجرد الدعوة إليها أو التغني بأمجادها، بل عندما تصبح لغة للعلم والإبداع والكفاءة وفرص العمل والارتقاء الاجتماعي، وعندها فقط تفرض نفسها لا بقوة الشعارات ولا بالخطابات العاطفية ولا بالاكتفاء بحسن النيات دون سياسات عملية وإرادة جادة تترجم الأقوال إلى أفعال.
لا شك أن مجلس اللسان العربي يؤدي، من خلال ندواته العلمية الراقية الرائقة ودوراته التكوينية والتصويبية العلمية المنهجية، دورا رائدا في صيانة لغة الضاد وحماية مكانتها في أرض بلغ أهلها قدما في العلوم الشرعية شأوا قلما بلغه غيرهم، حتى باتوا يعرفون بـ"الشناقطة" تمييزا وتقديرا، وبالشعر حتى لقب البلد بأرض "المليون شاعر" التي أسهمت عبر تاريخها في إثراء اللغة العربية أداء وحضورا وإنشادا. ولم يفتأ المجلس يسعى بلا توقف إلى أداء رسالته النبيلة باستضافة سدنته الضاد وسفرائه وباستنطاق كنوز اللغة، واستثمار مخزونها الثري الذي لا ينضب بالمفردات والدلالات والمقاصد.
غير أن الإشكال المطروح يتجاوز حدود المحافظة على اللغة العربية إلى واقع أدرك "المجلس" أنه أكثر تعقيدا في بلد ورث عن الاستعمار الفرنسي لغته التي رسخ حضورها في الإدارة والاقتصاد والتعليم التقني ومختلف مفاصل الحياة العملية، حتى باتت منافسا لا يستند فقط إلى الإرث التاريخي، بل إلى ارتباط مباشر بمتطلبات العيش والعمل والترقي المهني. فالمعارف الحديثة، والتخصصات العلمية، وسوق الشغل، والوثائق الإدارية، كلها مجالات كرست الفرنسية حضورها فيها بقوة، فأصبحت لدى كثيرين لغة المنفعة اليومية والنجاح المهني وبلوغ مراتب المدنية.
من هنا تبرز الأسئلة الجوهرية التي تستدعي إجابات سريعة وشافية:
ـ كيف يمكن للعربية أن تفرض حضورها الكامل في هذا الواقع؟
ـ هل تكفي الخطب والندوات والقرارات الرمزية لتحقيق ذلك؟
ـ هل يتطلب الأمر في حقيقته مشروعا متكاملا يجعل العربية لغة للعلم والإدارة والإنتاج والمعرفة، لا مجرد لغة للهوية والوجدان والسكر بالشعر؟
وإن الحقيقة التي لا مناص من تقبلها تبقى أن مقاومة هيمنة اللغة الأجنبية لا تكون برفضها أو معاداتها، بل بتمكين العربية من أدوات القوة نفسها متمثلة في تعليم حديث، ومصطلحات علمية دقيقة، وترجمة واسعة، وإدارة تتعامل بها، ومؤسسات تنتج بها المعرفة. فحين تصبح العربية لغة الكفاءة والفرصة والعمل، لا مجرد لغة الانتماء الثقافي، ستفرض نفسها بقوة الواقع لا بقوة الشعارات. ولكن، والحقيقة المرة هذه عرقلة كأداء، فأين المفر من هذا التحدي الذي تفرضه ضرورة المواجهة، بل وجوبها؟ وكيف نوفق بين الانفتاح على لغات العالم وبين ترسيخ العربية في مجالات الحياة كافة؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار والمثقفين والمهتمين بالشأن اللغوي أكثر من أي وقت مضى.
فالقضية ليست اختيارا بين العربية واللغات الأجنبية، بل هي كيفية بناء توازن يجعل من العربية أساسا راسخا للهوية والمعرفة والإدارة، ومن اللغات الأخرى أدوات للانفتاح على العالم واكتساب العلوم والخبرات. وتكتسب هذه الإشكالية خصوصية إضافية بحكم واقعنا اللغوي الذي تتقاسم فيه العربية الفصحى المجال مع الفرنسية من جهة، ومع اللهجة "الحسانية" من جهة أخرى. فإذا كانت الفرنسية لا تزال حاضرة في جل مجالات الإدارة والتعليم والتخصصات التقنية بحكم عوامل تاريخية معروفة، فإن الحسانية، على ما تختزنه من ثراء ثقافي وشعري وتراثي، تبقى في جوهرها لهجة تواصل يومي لا تستطيع، بصيغتها الحالية، أن تؤدي الوظائف العلمية والمعرفية والإدارية التي تضطلع بها اللغة المعيارية.
من هنا يتبين أن الرهان الحقيقي لا يكمن في إضعاف "اللهجة" أو محاربة اللغات "الأجنبية"، بل في تمكين العربية الفصحى من أداء دورها الطبيعي لغة جامعة للدولة والمجتمع، علما بأنها ليست مجرد أداة للتعبير، وإنما وعاء للهوية الوطنية، وجسر يربط البلد بعمقه الحضاري والثقافي العربي والإسلامي، كما أنها اللغة القادرة على توحيد الفضاء العمومي وضمان تكافؤ الفرص بين المواطنين. وقد أثبتت تجارب العديد من الدول العربية أن الارتقاء باللغة الوطنية لا يتعارض مع الانفتاح على اللغات العالمية، بل إن النجاح يتحقق عندما تكون اللغة الأم هي قاعدة التعليم والإدارة والإنتاج الثقافي، بينما تكتسب اللغات الأجنبية بوصفها وسائل إضافية للبحث والتواصل والابتكار.
إن العديد من اللهجات العربية شهدت خلال العقود الأخيرة عمليات تقارب متزايدة مع الفصحى، سواء عبر المدرسة أو الإعلام أو الإنتاج الثقافي، فتخلصت تدريجيا من قدر كبير من المفردات الأجنبية إلا حيث تفرض الضرورة العلمية أو التقنية ذلك. أما في البلد، فالحاجة تبدو أكثر إلحاحاً إلى مشروع لغوي متكامل يرسخ حضور العربية الفصحى في التعليم والإدارة والإعلام والفضاء الرقمي، مع الحفاظ على "الحسانية" باعتبارها جزءا أصيلا من التراث الثقافي والوجدان الشعبي. فالمطلوب إذ ذاك ليس أن تحل الفصحى محل اللهجة في الحياة الطبيعية، بل أن تصبح المرجعية اللغوية العليا التي ترتقي بها الأجيال نحو آفاق المعرفة والإبداع.
إن الأمم التي حققت نهضتها لم تفعل ذلك بالتخلي عن لغاتها الوطنية، وإنما بتمكينها أولا ثم بالانفتاح على لغات العالم من موقع الثقة لا التبعية. ولذلك فإن التحدي المطروح أمام موريتانيا اليوم ليس في تعلم الفرنسية أو الإنجليزية أو غيرهما، بل في بناء سياسة لغوية تجعل العربية الفصحى لغة العلم والإدارة والحياة العامة، وتجعل من اللغات الأجنبية جسورا للمعرفة والتعاون الدولي، لا بدائل عن اللغة الوطنية ولا منافسا لها في مجالها الطبيعي.
