تحليلٌ لحربِ رمضان بعد 37 يومًا / سعادة السفير جواد أبو

اندلعت الحربُ المفروضة من أمريكا والكيان الصهيوني ضدّ إيران في اللحظة نفسها التي كانت فيها المفاوضات النووية قد بلغت مراحلها النهائية. وهكذا شهد العالم مرةً أخرى خيانةَ أمريكا للدبلوماسية. وكانت الرسالة الأخيرة التي وجّهتها واشنطن واضحة: إمّا الاستسلام غير المشروط، وإمّا التدمير الكامل لإيران. ومن البديهي أنّ إيران لا يمكن أن تستسلم للقوة والظلم. لقد سعت أمريكا والكيان الصهيوني المجرم، عبر محاولة اغتيال قائد الثورة الإسلامية واستشهاده، واغتيال واستشهاد عدد من القادة العسكريين والمسؤولين السياسيين والعلماء النوويين، والهجوم الإجرامي على مدرسة «شجرة طيبة» الابتدائية في ميناب واستشهاد 170 طفلًا تلميذًا، والاعتداء على السفينة المدنية «دنا» التابعة للقوات البحرية الإيرانية في مياه المحيط الهندي، إلى جانب جرائم وحشية أخرى، إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإحكام السيطرة على البلاد ونهبها. وممّا يؤسف له أنّ بعض الدول المجاورة لإيران شاركت كذلك في هذا العدوان، من خلال إتاحة جزء من أراضيها، بل والتعاون مع أعداء إيران ضدّها. والآن، وبعد 37 يومًا من هذه الحرب الظالمة، تعالوا نتأمّل أبرز المحطات المفصلية فيها:

1- فشل الأعداء في إسقاط الجمهورية الإسلامية:
كان الأعداء قد تعهّدوا بأنّ نظام الحكم في إيران سيسقط خلال 48 ساعة، وأنّ سلطةً عميلة ستُقام بدلًا منه. وقد شكّل هذا الإخفاق أولَ هزيمة لهم، وأدّى إلى إحباطهم وتلقّيهم ضربةً قاسية.

2- الردّ الإيراني الصادم وغير المتوقَّع:
ردّت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الهجمات الوحشية للأعداء بردٍّ قويٍّ ومتكامل ومتعدّد المحاور ضدّ الكيان الصهيوني والقواعد الأمريكية في المنطقة. وقد فاجأ هذا الردّ العالم بأسره. كما أنّ مواصلة إيران القتال في عدّة جبهات في الوقت نفسه ما زالت مستمرّة بقوّة وثبات، حتى مع اقتراب الحرب من يومها الأربعين.

3- إدارة مضيق هرمز:
يُعدّ التحكم في حركة السفن عبر هذا المضيق أحد أهم أوراق الضغط الإيرانية على الأعداء. فقبل اندلاع الحرب، كان أعداء إيران يتمتّعون بحرية كاملة في العبور الاقتصادي والعسكري عبر مضيق هرمز. لكن فرض إيران رقابتها على هذا المعبر شكّل صدمةً كبيرة لهم. وأصبح اليوم أيُّ بلد يريد العبور من هذا المضيق لا يستطيع ذلك إلا بالتنسيق مع السلطات الإيرانية، باستثناء أعداء إيران.

4- الجحيم الذي يعيشه الكيان الصهيوني:
للمرة الأولى في تاريخه المشؤوم، يتعرّض الكيان الصهيوني لوابل واسع من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية. وقد تعطّلت منظوماته الدفاعية بشكل كبير، وأصبح مجاله الجوي تحت سيطرة إيران. أمّا مسؤولو هذا الكيان الجبناء، فإمّا فرّوا إلى الخارج أو لم يعودوا يجرؤون على الخروج من الملاجئ. وفي موازاة ذلك، بدأت سائر محاور المقاومة كذلك هجماتها على الكيان. والكيان الذي أمطر شعب غزة الأعزل بالقنابل طوال عامين، يرى اليوم مدنه وقد أصبحت شديدة الشبه بغزة.

5- انهيار الهيبة الزائفة لأمريكا:
لقد بدت أمريكا، بوصفها أكبر قوة عسكرية في العالم ومالكة لمئات القنابل النووية، عاجزةً أمام صمود إيران، فلجأت إلى قصف المستشفيات والمنازل السكنية والجسور والمختبرات ومستودعات المواد الغذائية. وللمرة الأولى في تاريخ هذا البلد، يفتخر رئيس أمريكا علنًا، عبر صفحته الشخصية، بقصف جسر في مدينة كرج. ومن الجدير بالذكر أنّ هذا الجسر، وهو أكبر جسر معلّق في غرب آسيا، قد صمّمه وبناه مهندسون إيرانيون بالكامل، وسيُستكمل بعد الحرب على أيديهم أيضًا.
كما تُدمَّر المقاتلات الأمريكية فائقة التطور بواسطة منظومات الدفاع الجوي الإيرانية المصنَّعة محليًا بشكل كامل، وإذا استمرّ الوضع على هذا النحو، فإنّ أعدادها المدمَّرة ستزداد كثيرًا في الأيام المقبلة.

7- هَبّة الشعب الإيراني:
منذ اليوم الأول للحرب وحتى اليوم، والشعب الإيراني الشجاع، الأبيّ، المتجذّر في التاريخ، والمؤيّد لإيران وولاية الفقيه، حاضرٌ في الشوارع ليلًا ونهارًا دفاعًا عن وطنه. وقد أُطلقت قبل ثلاثة أيام حملة بعنوان «جان فدا»، واستقطبت خلال هذه الأيام الثلاثة فقط ثمانية ملايين مسجَّل. إنّ هذا الشعب العظيم يستحقّ من الجميع أن يقف له إجلالًا واحترامًا.

وهناك مسألة أودّ الإشارة إليها هنا، وهي من غرائب هذه الحرب وتجاربها اللافتة. فالقواعد والمنشآت الأمريكية في منطقة الخليج الفارسي تُعدّ أهمَّ ميزة تستند إليها أمريكا في شنّ الحرب على إيران. وخلال سنوات طويلة، زوّدت واشنطن هذه القواعد بمختلف التجهيزات العسكرية واللوجستية والاستخباراتية والأمنية. وهي اليوم تستخدم كل تلك الإمكانات في الحرب ضدّ إيران وفي استهداف المواطنين الإيرانيين واغتيالهم. وممّا يدعو إلى بالغ الأسف أنّ هذه القواعد والمنشآت كلّها تقع في دول الجوار الجنوبي لإيران. وهذا يعني أنّ أجزاءً من أراضي الدول المجاورة لإيران تحوّلت إلى منصّات للاعتداء عليها. وما زال هذا الوضع مستمرًّا حتى اليوم. وهناك وثائق ومعلومات أخرى أفضّل ألّا أتطرّق إليها في هذا التقرير. فقد نوقش موضوع هذه القواعد بما فيه الكفاية.

وسأشير هنا إلى بعض الملاحظات السياسية، أو بعبارة أخرى، إلى أبرز علامات الاستفهام السياسية التي تطرحها هذه الحرب أمام القارئ:

1- مواقف عدد كبير من الحكومات العربية:
لم تكن مواقف كثير من الحكومات العربية في هذه الحرب داعمة لإيران، بل على العكس، ذهبت إلى إدانة ردّ إيران على العدوان الواقع عليها. بل إنّ اغتيال قائد الثورة الإسلامية والهجوم على مدرسة ميناب الابتدائية لم تدنهما أيضًا حكومات عربية عديدة. وهذا يعني عمليًا أنّ الهجمات الأمريكية والصهيونية على إيران حظيت بقبول ضمني. والمفارقة اللافتة أنّ الرئيس الأمريكي شكر علنًا، في أكثر من خطاب، بعض الدول العربية على تعاونها مع أمريكا في الحرب ضدّ إيران، ومع ذلك ما زالت بيانات الإدانة العربية ضدّ إيران تتوالى. وفي هذا السياق، يثير الدهشة صدور بيانات متكرّرة من دول عربية تبعد آلاف الأميال عن المنطقة! فهي بدلًا من إدانة العدوّ الرئيسي للمسلمين، أي الكيان الصهيوني، ومن يدعمه، تُدين إيران التي تقف في مواجهته وتدافع عن حقوق المسلمين. ومن الطبيعي أن تبقى هذه السلوكيات القائمة على الازدواجية راسخةً في ذاكرة الشعب الإيراني إلى الأبد.

2- موقف الرأي العام في العالم العربي:
أبدى الرأي العام في العالم العربي، من شعوب ومجتمع مدني وأحزاب ووسائل إعلام وتيارات سياسية وفكرية وأصحاب أقلام، ولا سيما في بلدان شمال أفريقيا وغربها، دعمًا استثنائيًا لإيران في مواجهة هذا العدوان الوحشي. لقد شكّلت مشاعر التضامن، والوقفات المؤيدة، ورسائل التعزية، بل وحتى حملات جمع المساعدات المالية والإنسانية، دمًا جديدًا سُكِب في عروق الشعب الإيراني. ومن هنا، نرى بوضوح الفارق بين سلوك الشعوب وسلوك الحكومات في هذه البلدان تجاه الحرب على إيران.

3- مواقف الشعوب في سائر أنحاء العالم:
إنّ شعوب مناطق أخرى من العالم، ولا سيما داخل أمريكا نفسها، بعدما أدركت حقيقة السلوك الظالم والوحشي الذي انتهجته حكومتها ضدّ إيران، خرجت في تظاهرات مليونية. وكلّ هذه الوقائع تُظهر أنّه، وإن كانت حكومات كثيرة تتعامل مع هذه الحرب بازدواجية المعايير بسبب حسابات ومصالح سياسية، فإنّ الشعوب تقف بحرية وعدالة إلى جانب الحق. وهذه رسالة عميقة سيكون لها أثرها في مستقبل الأنظمة السياسية. وبعبارة أوضح: لا تستطيع الحكومات أن تظلّ طويلًا في مواجهة إرادة شعوبها. وإذا فعلت ذلك، فإنّ الشعوب لن تهبّ لنجدتها عند المنعطفات التاريخية.

وفي الختام، لا بدّ من التأكيد على أنّ هذه الحرب هي حربٌ تشنّها أمريكا، بمساعدة بعض الدول، خدمةً لمصالح الكيان الصهيوني. أي إنّها ليست حرب الشعب الأمريكي، ولا حرب شعوب الدول المجاورة ضدّ إيران، بل حرب تخوضها تلك الحكومات من أجل الكيان. أمّا بشأن نهاية هذه الحرب، فسأكتب عنها بالتفصيل في مقال آخر. لكن يمكنني القول إجمالًا وبكلّ ثقة إنّ أمريكا والكيان الصهيوني لن يكونا هما الرابحين في هذه الحرب. فالمعادلات الإقليمية تتغيّر بسرعة في اتجاه مناقض للنظام القائم.

جواد أبو / سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في موريتانيا