تُعتبر الاتفاقيات المعدنية في ولاية إينشيري، في نظر كثير من المواطنين، مثالًا صارخًا على سوء استغلال الثروات الوطنية، بل يراها البعض خيانة عظمى بحق الأرض والإنسان. فكيف يعقل أن تزخر الولاية بالذهب والنحاس والمعادن النفيسة، بينما يعيش سكانها في التهميش وضعف الخدمات وغياب التنمية؟
إن الثروات المعدنية ليست ملكًا لجيل واحد أو لفئة محددة، بل هي ملك للشعب كله، وحق للأجيال القادمة. وعندما تُمنح هذه الثروات لشركات أجنبية أو محلية بشروط غير عادلة، دون ضمان استفادة المواطن البسيط، فإن ذلك يُعد تفريطًا في السيادة الاقتصادية وإهدارًا للحقوق الوطنية.
مدينة أكجوجت، عاصمة الولاية، خير شاهد على هذا التناقض المؤلم؛ فهي محاطة بالمناجم، لكنها تعاني من تهالك الطرق، وضعف البنية الصحية، وقلة فرص العمل، وارتفاع البطالة بين الشباب. فأين تذهب عائدات التعدين؟ ولماذا لا تنعكس على حياة السكان؟
إن غياب الشفافية في بعض الاتفاقيات، وضعف الرقابة على التزامات الشركات، وغياب العدالة في توزيع الثروة، كلها عوامل تجعل المواطن يشعر بأن ما يحدث ليس مجرد سوء تسيير، بل نوع من التواطؤ ضد المصلحة العامة.
وليس المقصود من هذا الطرح رفض الاستثمار أو معاداة الشركات، بل المطالبة بمراجعة هذه العقود حتى تكون عادلة و تحفظ حق الدولة والمواطن، وتُلزم المستثمر بالمساهمة الحقيقية في التنمية المحلية، وحماية البيئة، وتشغيل أبناء المنطقة.
مراجعة اتفاقيات التعدين لا تعني محاربة الاستثمار، بل تعني تنظيمه بما يخدم المصلحة الوطنية والمحلية معًا. يجب إلزام الشركات بالمساهمة الفعلية في بناء المدارس، والمراكز الصحية، وصيانة الطرق، ودعم التشغيل المحلي، وحماية البيئة من التلوث الناتج عن الأنشطة المنجمية.
كما ينبغي أن تكون هذه الاتفاقيات أكثر شفافية، وأن يُشرك المنتخبون المحليون وممثلو السكان في مراقبة تنفيذ الالتزامات، حتى يشعر المواطن بأن ثروته تنعكس على حياته اليومية.
إن استمرار الوضع الحالي يخلق شعورًا بالغبن والتهميش، ويضعف الثقة بين المواطن والدولة. لذلك فإن مراجعة اتفاقيات التعدين في إينشيري ليست مطلبًا سياسيًا فقط، بل هي ضرورة وطنية وأخلاقية لضمان تنمية عادلة ومستدامة.
فالثروات الطبيعية يجب أن تكون نعمة لأهلها، لا سببًا في شعورهم بالإقصاء والحرمان.
محمد الأمين/ امحمد
